الكاتبة: غادة حسن.
نهضتُ على وقع معركةٍ طويلة خاضها المنبّه ليوقظني؛ ذاك الصغير العنيد الذي ظلّ يصرخ في أذني، وكنتُ كلّ مرة أمدّ يدي لأُسكته، وأعود إلى حضن النوم كأن شيئًا لم يكن. غفوةٌ تجرّ غفوة، حتى انتصر أخيرًا وانتزعني من دفء الأحلام. مددتُ يدي إلى الهاتف ونظرتُ إلى الساعة، فإذا بخمس دقائق فقط تفصلني عن الحصة الأولى.
قفزتُ من سريري وركضتُ نحو الدرج، أكاد أتعثّر بقلبي قبل قدميّ، وفي رأسي قضيةٌ مصيرية لا تحتمل التأجيل: أأدخل من المنصّة أم من «تيمز»؟ ما أجمل الدراسة عن بُعد، خصوصًا حين تبدأ حصتكِ وأنتِ لم تلتقِ بالماء بعد! شعرٌ تمرّد على المشط، وعينان أنهكهما السهر، وصوتٌ ما زال عالقًا بين النعاس والصباح، وبيجامةٌ تحمل ذاكرة الوسادة.
فتحتُ «تيمز»، فإذا بطالباتي ينتظرنني بصمتٍ جميل؛ الكاميرات مطفأة، والميكروفونات نائمة، ولا يعرفن من معلمتهن إلا صوتًا سيخرج بعد لحظات من بين ركام النعاس. فتحتُ باب الصالة المطلّ على الحوش، وتركتُ الصباح يدخل كما يشاء، وتنفّستُ بعمق وحمدتُ الله.
حان الوقت، فقلت: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، فجاءت أصواتٌ خجولة متفرقة، ثم تكاثرت كأنها زقزقة عصافير: «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته». سألتهنّ عن أحوالهنّ، فأجابتني طالبة بصوتٍ رقيق: «بخير، الحمد لله»، فقلت: «دام الخير يا رب».
كان درس اليوم «مدخل وحدة: أمن وازدهار»، لكنني أردتُ لهذا المدخل أن يكون مختلفًا؛ أن نبدأ بشيءٍ يشبهنا ويشبه صباحاتنا، شيءٍ يوقظ في أرواحنا معنى الفرح.
فشغّلتُ أغنية «افتحوا الأبواب»، وهي أغنية أحبها على نحوٍ غريب؛ أشعر في كل مرة أسمعها أنني أسمعها للمرة الأولى. أزحتُ الحاسب جانبًا ونهضتُ؛ رقصتُ ودُرتُ حول نفسي وصفّقتُ وطربتُ، وقلت لطالباتي: «هيا يا حبيباتي! ارقصن معي!».
وفي لحظةٍ صغيرة تلاشت الحصة، وغابت الشاشة، وذابت المسافات، ولم يبقَ إلا صباحٌ يضحك.
انتهت الأغنية، وفجأة جاءني صوت طالبة: «أستاذة… أستاذة!».
أجبتها: «نعم يا حبيبتي؟».
فقالت بنبرةٍ أعرف أن في طرفها شيئًا من المزاح: «هل جاء العيد؟!».
ضحكتُ على سؤالها الهزلي، فقلتُ لها: «سأخبركِ».
ثم قلتُ: «يكفيكِ فخرًا أنكِ سعودية، وفي السعودية كل يومٍ يمرّ عليكِ عيدٌ بطريقةٍ ما. أن تستيقظي معافاةً عيد، وأن تفتحي عينيكِ فتجدي أمّكِ وأباكِ وإخوتكِ حولكِ عيد. نعمٌ تستحق أن نحتفل بها.
لماذا تنتظرن العيد لكي تفرحن وترقصن وتغنّين، وتلبسن الجديد وتأكلن الحلوى؟
يا حبيباتي، قد نظن أن العيد يزورنا مرةً أو مرتين في العام، لكنه في الحقيقة يسكن تفاصيل صغيرة لا ننتبه لها: في أمٍّ تناديكِ صباحًا، وأبٍ ينتظر عودتكِ، وصديقةٍ تسأل عنكِ، ومعلمةٍ تبتسم لكِ، ووطنٍ تنامين فيه آمنةً.
وقد يكون العيد، ببساطة، أن تستيقظي هذا الصباح وتقولي من أعماق قلبكِ: الحمد لله، حياتي أعيادٌ لا تنتهي».
وكما قال إيليا أبو ماضي:
«أيُّهذا الشاكي وما بك داءٌ
كُنْ جميلًا تَرَ الوجودَ جميلًا».
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

