مشاري الوسمي
رئيس التحرير.
كانت تعرف متى تأتيني، وتعرف أكثر متى ترحل.
في أطراف الليل، كانت تظهر كأنها خرجت من أمنية تأخرت طويلًا. تتهادى في جمالها الواثق، وعلى شفتيها ابتسامة لا تكتمل، كأنها تدخر بقيتها للقاء آخر.
لم أسألها من أين جاءت، ولا إلى أين تمضي حين ينسحب الليل. كان حضورها يكفيني عن السؤال، وغيابها يمنحني من الشوق ما يجعلني أغفر لها الرحيل قبل أن تعود.
أحببتها حتى خُيّل إليّ أن قلبي لم يعرف الحب قبلها. كانت ترفعني بكلمة، وتتركني أبحث في صمتها عن كلمة أخرى. وكلما اقتربت منها، ابتعدت قليلًا عن أشياء كنت أظن أنني لن أتخلى عنها. لم تكن تعدني بشيء، لكنها كانت تجعلني أرى في كل لقاء وعدًا جديدًا، وكلما ظننت أنني نلت منها ما أريد، اكتشفت أنني أريد أكثر.
كان الفرح معها يملأني، ثم يتركني عند انطفائه أمام حزن لا أفهمه. أحيانًا كنت ألمح في عينيها شيئًا لا يشبه حنانها، فأطيل النظر محاولًا فهمه، لكنها تبتسم، فأبتسم، وينتهي الأمر قبل أن يبدأ السؤال.
لم تكن تأتي إلا ليلًا. تظهر حين يهدأ العالم، وتمضي قبل أن تفتح الشمس نوافذ الصباح. وحين ترحل، أستعيد حياتي التي تركتها معلقة بانتظارها. أخرج إلى الناس، أصافحهم وأبادلهم الأحاديث، وأعتذر لمن سأل عن غيابي. شيئًا فشيئًا، بدأت تفوتني مواعيد كنت أحرص عليها، وتبتعد عني وجوه اعتدت قربها. لم أشعر أنني أفقد شيئًا، كنت أظن أنني أفسح لها مكانًا أكبر في حياتي.
وفي بعض الصباحات، كنت أشك في أن شيئًا من تلك الليالي قد حدث فعلًا. تتلاشى تفاصيلها كلما حاولت استعادتها، لكن أثرها يبقى في داخلي، كأن ما عشته معها كان أقصر من أن أتذكره، وأعمق من أن أنساه.
ومع الأيام، لم تعد الليالي التي تمنحني إياها تكفيني. كل لقاء يترك في نفسي رغبة في لقاء أطول، وكل وداع يجعل ما سبقه من فرح أقل مما أحتاج. أردت أن تبقى، لا لأنني خشيت رحيلها وحده، بل لأنني بدأت أضيق بحياتي حين لا تكون فيها.
وفي ليلة بدأ فيها القمر أقرب من عادته، جاءت تحمل عطرها وابتسامتها نفسها. جلست إلى جواري، تحدثني عن أشياء لا أذكر منها الآن شيئًا، سوى أن صوتها كان يجعل الوقت يمر دون أن أشعر.
وحين اقترب الفجر، أمسكت يدها.
طلبت منها أن تبقى.
نظرت إليّ طويلًا، ثم ابتسمت وأومأت بالموافقة.
لم أصدق أن الأمر كان بهذه السهولة. كل تلك الليالي التي قضيتها أخشى رحيلها، وكل ذلك الانتظار الذي حسبته قدرًا لا يتغير، انتهى بطلب واحد.
شعرت أنني انتصرت أخيرًا.
أطلنا السهر، ورقصنا، وضحكنا، حتى بدأت العتمة تنسحب عن أطراف الغرفة. كنت أراقب الضوء وهو يتقدم ببطء، وأشد على يدها كلما اتسعت مساحته، منتظرًا اللحظة التي أراها فيها أمام الشمس للمرة الأولى.
وحين أضاء الصباح وجهها، أفلتُّ يدها.
لم تكن المرأة التي عرفتها.
كان وجهها مثقلًا بتجاعيد لم أرها من قبل، وعيناها غائرتان في ملامح أنهكها العمر. بحثت عن شيء من جمالها القديم، فلم أجد سوى ابتسامتها.
كانت الابتسامة نفسها.
سألتها:
من أنتِ؟
قالت:
أنا الدنيا.
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

