الكاتبة: موزة المعمرية.
كان الضباب كثيفًا إلى حدٍّ لا يسمح لها برؤية ما يحيط بها. وقفت مترددة، تحاول أن تتبيّن معالم المكان، حين اخترق السكون صوت رجل لا تعرف من أين يأتي.
«اقتربي… افتحي الباب وأزيحي عنه طلسمه».
تراجعت خطوة، وسألت بصوت مرتجف: «من أنت؟ وماذا تريد مني؟»
لم يجبها. لكن الباب انفتح ببطء، كأن يدًا خفية أزاحت عنه ثقل السنين.
جمعت ما تبقى من شجاعتها ودخلت.
كان الضوء خافتًا، يتسلل إلى غرفة تزدحم طاولتها الخشبية بقوارير وأدوات غريبة. وفي أحد أركانها وقف رجل أشيب، ينسدل شعره الطويل على رداء أبيض، منشغلًا بمزج سوائل لا تعرفها.
غير أن شيئًا آخر استوقفها. رائحة عذبة تتسلل إلى أنفاسها، تتبعها رائحة ثانية، ثم ثالثة، حتى خُيّل إليها أن المكان يتنفس عطرًا.
استدار الرجل نحوها، وتأمل ارتباكها قبل أن يسأل: «ممَّ تخافين؟»
«من المجهول… من الأشياء التي لا أستطيع فهمها».
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم قال: «وهل تفهمين كل ما تشعرين به؟»
لم تجد جوابًا.
أشار إلى القوارير المنتشرة أمامه وقال: «أغمضي عينيكِ… وأخبريني ماذا تشمين».
أطاعت، واستنشقت بعمق. «رائحة جميلة… مألوفة وغريبة في الوقت نفسه. لا أعرف كيف أصفها».
«ليس كل ما نعجز عن وصفه مجهولًا. أحيانًا نعرف الأشياء بحواسنا قبل أن نتعلم أسماءها».
ثم تقدم نحو باب خشبي ثقيل في نهاية الغرفة. دفعه بكلتا يديه حتى انفتح، وأشار إليها بالدخول.
كانت الغرفة أشبه بحديقة احتُفظ بأسرارها داخل الجدران. زهور مجففة، وأخشاب عطرية، وثمار، وتوابل، وقوارير زجاجية تتفاوت ألوانها وأحجامها.
اقتربت من زهرة بيضاء، ورفعتها إلى أنفها. «زهر البرتقال!»
أومأ الرجل.
انتقلت إلى وعاء آخر. «وهذا المشمش… وجوز الهند!»
ثم راحت تتنقل بين السوسن والفانيليا والزعفران والليتشي، قبل أن تتوقف أمام قوارير صغيرة تضم العنبر والمسك والقرفة والهيل والبرغموت.
فتح الرجل إحداها وقال: «وهذا التبغ اليوناني، وإلى جواره الكشميران».
كانت تكتشف في كل رائحة عالمًا مختلفًا. بعضها يوقظ إحساسًا بالدفء، وبعضها يحمل انتعاشًا يشبه صباحًا بعيدًا، وأخرى تثير حنينًا لا تعرف له سببًا.
قالت مأخوذة بما حولها: «لم أتخيل أن العطر يخفي كل هذه التفاصيل!»
أجابها وهو يعيد إحدى القوارير إلى مكانها: «وما رأيتِه ليس سوى البداية».
قادها إلى غرفة ثالثة، تتلألأ فيها قوارير العطور تحت أضواء هادئة. كانت الروائح تمتزج في الهواء دون أن تفقد كل واحدة منها حضورها، كأنها أصوات مختلفة تؤلف لحنًا واحدًا.
توقفت في منتصف الغرفة، وأغمضت عينيها. للمرة الأولى، لم تحاول التعرف إلى الروائح أو البحث عن أسمائها. اكتفت بأن تشعر بها.
وحين فتحت عينيها، وجدت الرجل واقفًا إلى جوار حوض دائري كبير، يعلو سطحه بخار خفيف.
قال لها: «اقتربي… بقي ما لم تكتشفيه بعد».
نظرت إلى الماء، فرأت انعكاس وجهها يتماوج بين خيوط البخار.
«وماذا يوجد في داخله؟»
«ما لا تستطيع القوارير الاحتفاظ به».
مد يده إليها، فترددت قبل أن تمنحه يدها. وما إن لامست أصابعه حتى اختل توازنها وسقطت في الحوض.
شهقت… واستيقظت.
كانت في غرفتها، والضوء يتسلل من خلف الستائر. جلست على سريرها تحاول استعادة ما رأته، وما سمعته، وتلك الروائح التي بدت حقيقية إلى حدٍّ يصعب تصديقه.
ثم التفتت إلى المرآة. أمامها ثلاث قوارير عطرية، تتوسطها قارورة بيضاء.
نهضت واقتربت منها، ورفعتها إلى أنفها. كانت الرائحة ذاتها. رائحة الغرفة الأولى.
نزعت غطاء القارورة، ورشت شيئًا من عطرها على شعرها الأسود، ثم أغمضت عينيها مبتسمة.
لم تعد تعرف إن كانت قد حلمت بالعطر، أم أن العطر هو الذي قادها إلى الحلم.
لكنها أدركت أخيرًا أن بعض الروائح لا تمر بنا فحسب… بل تفتح أبوابًا لم نكن نعلم أنها في داخلنا.
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

