الكاتب: نادى جابر السعدني.
في أزقة مدننا القديمة، بين حيطان الحارة وشرفات الياسمين، وفي الرائحة المنبعثة من فنجان القهوة على طاولة الجدة، يكمن شيء أعمق من مجرد ذكريات… إنه الوجدان العربي الذي لا تحدّه جغرافيا، ولا يُمحى بتقلبات الأزمان. إنه النبض الحي الذي يربط المحيط بالخليج، والشام بالنيل، لغةً وشعورًا، حزنًا وفرحًا، وأملًا يطاول السحاب مهما اشتدت العواصف وتكاثفت الخطوب.
الإنسان العربي لم يكن يومًا مجرد عابر في هذا العالم، لقد كان وما زال صاحب نسيج وجداني فريد يتردد صداه في أعماق الروح. نحن أمة يُطربها بيتان من الشعر، وتُشجيها نبرة الأصالة في فيروزيات الصباح، ويحرّك الشجن في قلوبها صوت الأذان ونغم التكبير في صباحات الأعياد. نكبر على مفهوم البيت الكبير، حيث لا يعيش المرء لنفسه منفصلًا، بل يقتسم عيشه مع ضحكة أمه، ودعاء أبيه، ووقفة أخيه، ونخوة جاره. تلك النخوة ليست مجرد كلمة يُتحف بها المعجم، بل هي جينات أصيلة تسري في دمنا، تظهر حين نرى الغريب المحتاج فنفتح له أبوابنا قبل قلوبنا، وحين يفرح أحدنا فيشارك الكل فرحته، وحين يُصاب أخ لنا في أقصى الأرض، فيتداعى له الجسد العربي بأكمله بالسهر والحمّى.
ولأننا نسكن في حضن لغة ليست ككل اللغات، فإن العربية بالنسبة لنا ليست أداة للتواصل فحسب، بل هي مسكن الروح ووعاء العاطفة الأسمى. بها نعبّر عن الحنين بالشوق، وعن الحب بالود، وعن الحزن بالأسى، لتظل رابطًا أبديًا متينًا يحفظ للهوية طهرها وأصالتها عبر العصور.
قد نمر بأوقات تشتد فيها المحن وتغيم السماء، لكن سر هذا الوجدان يكمن في قدرته العجيبة على القيامة والتجدد من بين الركام. فنحن قوم نزرع الأمل ولو في الصحراء، ونستقبل الفجر بابتسامة الرضا، ونعلّم أولادنا أن الكرم والكرامة والوفاء للجذور أمانات غالية لا تُباع ولا تُشترى.
فكن فخورًا بهذا الوجدان الذي تحمله بين أضلعك، فإنه النور الذي يضيء عتمة الأيام، والرابط الخفي الذي يذكّرنا دائمًا بأننا أمة واحدة بقلب واحد ونبض لا يموت.
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

