الكاتبة: دلال كمال راضي.
من خلال تأملي في طبيعة العلاقة بين الأم والأب داخل الأسرة، لاحظت اختلافات في طريقة تعاملهما مع المشكلات الأسرية، ولا سيما ما يتعلق بالأبناء. ففي بعض الحالات، يميل الأب إلى استحضار مبادئ عامة يقيس من خلالها تصرفات أبنائه، وقد يبالغ في تقدير حجم المشكلة وصعوبة معالجتها، بينما تتجه الأم إلى التعامل معها بقدر أكبر من الهدوء والبساطة، محاولة الإنصات إلى أطرافها وفهم دوافعهم.
وحين يرتفع صوت الأب غضبًا إزاء تصرف أحد الأبناء، قد تختار الأم الصمت، مراهنة على الوقت حتى تهدأ النفوس وتتضح الرؤية. فهي تميل إلى معالجة المشكلة أولًا، ثم مناقشة أسبابها والمحاسبة عليها لاحقًا، في حين قد يبدأ الأب بالمحاسبة قبل البحث عن الحل، أو يحاول الجمع بين الأمرين في وقت واحد، مما يربك أفراد الأسرة ويحول دون الوصول إلى تفاهمات متأنية ومعالجات فاعلة.
وتدرك الأم، بحكم قربها من تفاصيل حياة الأبناء في كثير من الأسر، أن الإجراءات القائمة على الثقة والتفاهم تساعدهم على تقبّل التوجيهات عن قناعة، بدلًا من الالتزام المؤقت بها خوفًا من العقاب أو رغبة في تجنب المواجهة.
وفي حين قد يتمسك الأب بأسلوب محدد في التعامل مع المشكلات، تحاول الأم أحيانًا ابتكار أساليب تتناسب مع طبيعة المواقف ومتغيرات الأجيال. ومع ذلك، قد يكون الأب أكثر موضوعية في بعض المواقف، بحكم قدرته على الفصل بين العاطفة والقرار، بينما قد تؤثر عاطفة الأم في تقديرها لبعض الأمور، وإن حاولت تجنب ذلك.
والأصل أن اختلاف الأساليب بين الأبوين لا ينبغي أن يتحول إلى تناقض في المواقف، بل يمكن أن يكون مصدر تكامل إذا توافرت بينهما مساحة من التفاهم والانسجام. فكلما تقاربت رؤيتهما تجاه المشكلات الأسرية، أصبح تأثير كل منهما داعمًا للآخر، وإن اختلفت طريقة التعبير أو القدرة على التأثير.
إن الاعتراف الصادق من أحد الزوجين بكفاءة الآخر في جانب من جوانب رعاية الأبناء وتربيتهم يعزز تماسك الأسرة، ويشجع على تطوير أساليب التربية والإدارة المنزلية، كما ينمّي الشعور بالانتماء والمسؤولية المشتركة.
أما التنافس على كسب ود الأبناء، ولو بوسائل غير تربوية، فقد يؤدي إلى التنافر بين الزوجين، ويخلق حالة من الارتباك لدى الأبناء، خصوصًا حين يجدون أنفسهم أمام توجيهات متعارضة ومواقف متباينة.
ومن هنا، فإن الحياة الأسرية لا تقوم على مجرد الاجتماع تحت سقف واحد، بل تحتاج إلى إدارة واعية وتنسيق مستمر بين أفرادها، وتوزيع متوازن للمسؤوليات والصلاحيات بين الأبوين، بما يضمن استقرار الأسرة وتماسك بنائها الأخلاقي والتربوي.
فالأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وكلما كانت أكثر استقرارًا وتفاهمًا، انعكس ذلك إيجابًا على المجتمع بأكمله.
وقد يعتقد البعض أنني أميل في طرحي إلى جانب الأم، غير أن ما أوردته ليس انحيازًا مقصودًا، بل خلاصة ملاحظات وتجارب شهدتها عن قرب على مدى سنوات، في محيطي الاجتماعي، وليست بالضرورة تجارب شخصية.
ولا أدّعي أن هذه الملاحظات تنطبق على جميع الآباء والأمهات، فلكل أسرة ظروفها، ولكل أب وأم طريقتهما في التعامل مع الأبناء. وما أطرحه هنا رؤية قابلة للنقاش، قد يتفق معها البعض ويختلف معها آخرون، ولا أرى في هذا الاختلاف ما يدعو إلى القلق، بل أعدّه فرصة لتبادل الخبرات وإعادة النظر في أساليبنا التربوية.
ولعل ما تحتاجه الأسرة ليس اتفاق الأبوين على كل التفاصيل، بل اتفاقهما على ألا يدفع الأبناء ثمن اختلافهما.
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

