الكاتبة: د. غادة طنطاوي.
يقول الكاتب الأمريكي ستيفن شبوسكي: «نحن نختار الحب الذي نعتقد أننا نستحقه».
في مقالٍ سابق عام ٢٠٢٣، سألت: ماذا لو أحبك كاتب؟ وقلت: «لو أحبك كاتب سترين السلم الموسيقي في صوت فيروز، وتتغاضين عن مثالية عبدالوهاب. سيجذبك صوت كاظم الساهر وتغضّين الطرف عن جرأة نزار. ولربما اعتنقتِ مذهب موسيقى تشايكوفسكي وموتزارت، روتينًا يوميًا تستيقظين عليه، عوضًا عن منبّه ساعتك.
ستشعرين بأنك الأفضل، الأعلى مرتبة، والأكثر حظًا بهذا الحب، ولسببٍ ما ستعشقين الشوكولاتة! وتبتسمين برقةٍ لدى قراءة هذه الجملة، وسيمر بخاطرك مسلسل جميع هدايا الحب والأعياد!».
لكن ماذا لو أحببتَ كاتبة؟ قد يعتبره البعض سؤالًا فلسفيًا، لكنه يشغل تفكيري منذ مدة. الكاتب يرى ما لا يراه الآخرون، وبالتالي قد تختلف فكرة الحب ومفهومه لديه.
وهنا يأتي السؤال الفلسفي الذي لا أملك له إجابة: هل نحب الأشخاص كما هم، أم نحب الحكايات التي نصنعها عنهم في مخيلتنا؟ وماذا لو كانت الكاتبة نفسها لا تعرف الفرق بين الحقيقة وما تكتب، بين الرجل الذي أحبته والرجل الذي تمنّت أن يكونه، بين الحياة التي عاشتها والحياة التي أعادت صياغتها كي تستطيع احتمالها!
هل ستبحث عنك بين سطورها، أم ستكتفي بأن تكون أحد أبطال حكاياتها، دون أن تدري إن كنت بطلًا، أم مجرد عابر ألهمها الكتابة!
ربما لهذا لا ينبغي أن تسأل كاتبةً إن كانت تحبك، بل أن تسأل نفسك أولًا: هل تستطيع أن تحب امرأةً لا تكتفي بأن تعيش معك الحكاية، بل تملك الشجاعة لتكتب نهايتها أيضًا؟ فالحب مع الكاتبة ليس ضمانًا لبقاء الحكاية، ولا امتيازًا بأن تكون بطلها الأخير.
أحيانًا، كل ما ستحصل عليه هو نصٌ جميل، ذكرى لا تموت، واسمٌ لن تراه مكتوبًا أبدًا.
المعضلة ليست في أن تحب كاتبة، بل في أن تحاول امتلاك امرأة تسكنها عوالم لا تستطيع الوصول إليها، وأن تطلب منها أن تكف عن الكتابة، بينما الكتابة هي الطريقة الوحيدة التي تعرف بها كيف تنجو من العالم. قد تمنحك عمرًا كاملًا بين دفتي كتاب، ثم تمضي دون أن تلتفت إلى الوراء. وقد تقرأها بعد سنوات، فتكتشف أنك لم تكن تعرفها كما ظننت، وأن المرأة التي أحببتها لم تكن تلك التي تجلس أمامك، بل تلك التي كانت تختبئ خلف كلماتها، وتنتظر من يقرأها بقلبه لا بعينيه.
الكاتبة لا تحب كغيرها، أو لعلها تحب بالطريقة ذاتها، لكنها تملك قدرةً غريبة على تحويل مشاعرها إلى كلمات، حتى يُخيّل إليك أنها تجاوزت ما حدث، بينما هي لا تزال تعيشه حرفًا حرفًا.
إنها حين تشتاق، لا تبحث عن هاتفها بالضرورة، بل عن ورقةٍ بيضاء. وحين تنكسر، لا يُشترط أن تبكي، فقد تكتب نصًا يجعل العالم كله يبكي، ثم تبتسم وكأن شيئًا لم يكن.
ماذا لو أحببتَ امرأةً لا تجيد الصمت، امرأةً كلما ضاقت بها الحياة، فتحت نافذةً في جدار الكلمات، وعبرت منها إلى عالمٍ لا يعرفه سواها؟ هل ستحتمل أن تقرأ حزنك في قصيدة، وغيابك في خاطرة، وأن تجد شيئًا من ملامحك في نصٍ لم تذكر فيه اسمك؟
لو أحببتَ كاتبة، وعرفتَ يومًا أنك أصبحتَ الرجل الذي تكتب عنه بحزن، فهل ستعود إليها لتصلح الحكاية، أم ستتركها تكتب نهايتك، وتكتفي بأنك كنت يومًا أجمل ما حدث لها، وأصعب ما كتبته؟
هي لا تقع في الحب مرةً واحدة، بل تعيشه ألف مرة؛ مرةً حين تلتقي عيناها بعينيك، ومرةً حين تتخيله كما تتمنى، ومرةً حين تصطدم بالحقيقة، ثم مراتٍ لا تُحصى حين تكتب عنه. ماذا ستفعل حين تختلف معها؟ هل ستعاتبها، أم ستخشى أن تصبح بطلًا في نصٍ قادم، وأن يقرأ الغرباء تفاصيل حكايتكما دون أن يعرفوا أنك كنت يومًا الرجل الذي أحبته؟ وماذا لو كتبت عن الفراق وأنت بجوارها؟ هل ستسألها عمّا تقصد، أم ستخاف أن تكون الإجابة أنت؟
الحب عند الكاتبة ليس مجرد شعور، بل فلسفة تبحث لها عن إجابات بين السطور. الكاتبة لا تبحث عن رجلٍ يُلهمها الكتابة بقدر ما تبحث عن رجلٍ يُقنعها أن الحياة أجمل من أن تُكتب.
هل يمكن للحب أن يكون حكايةً نعيشها دون أن نضطر إلى الكتابة عنها، أم أننا نكتب لأن الواقع لم يمنحنا ما يكفي من الأسباب لنصدّق أن الحب كان حقيقيًا؟
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

