الكاتبة: زينب النجار.
أحيانًا، لا نعرف قيمة الكلمات التي لم نقلها إلا حين يصبح قولها مستحيلًا، ونكتشف متأخرين أن كلمة حب، أو اعتذارًا صادقًا، أو حتى سؤالًا بسيطًا عن الحال، كان يمكن أن يصنع فرقًا كبيرًا في حياة شخص نحبه.
الغريب أننا قد نبخل على من نحبهم بكلمات التقدير وهم بيننا، ثم نمنحهم كل الكلام الجميل حين يرحلون، فنروي مواقفهم الطيبة، ونتذكر حنانهم، ونعدد صفاتهم التي ربما لم نخبرهم يومًا كم نحبها فيهم.
فلماذا نؤجل التعبير عن مشاعرنا حتى يصبح الندم رفيقنا، وتتحول الكلمات التي كان يمكن أن تسعد من نحب إلى حكايات نرويها بعد الغياب؟
نقف أمام نعشٍ، فنسمع من الألسنة ما لم تنطق به يومًا في حضرة صاحبه. يقول أحدهم: «كان طيّب القلب، لم يؤذِ أحدًا». وتقول أخرى: «كان سندي، وما عرفتُ قدره إلا الآن». وتنهمر الدموع، وتتدفق الذكريات، وتُستعاد المواقف الجميلة واحدةً واحدةً، كأننا كنا نحتفظ بها في صندوق مغلق لا يُفتح إلا عند الفقد.
فلماذا لا يُقال الكلام الجميل إلا حين يصبح بلا مستمع؟
ما دام الإنسان حاضرًا، فنحن نراه بعيوبه: كلمته التي ضايقتنا، وطبعه الذي أتعبنا. فإذا غاب، اكتملت الصورة في أذهاننا، وتراجع النقص إلى الخلف، وتقدّم الجمال.
يقول علماء النفس إن الذاكرة تميل إلى تلطيف صورة الراحلين، وإن الحزن يعيد ترتيب ما نتذكره بحيث يتصدر الأجمل والأصفى. وهكذا نمدح الميت بصدق، لكنه صدقٌ جاء متأخرًا.
أخطر ما في وجود من نحبهم أننا نعتاد عليهم.
الأم التي تسهر، والأب الذي يتعب، والصديق الذي لا يتأخر، والزوج أو الزوجة الذي يحتمل: كلهم يصبحون جزءًا من المشهد، كالهواء لا نلتفت إليه إلا حين ينقطع. ولا ندرك قيمة الشيء الدائم إلا إذا فقدناه، وتلك مفارقة قاسية في طبيعتنا.
وحين ينتهي العزاء ويعود كل منا إلى بيته، يبقى في القلب سؤال ثقيل: لماذا لم أقل له؟ لماذا لم أتصل، ولم أعتذر، ولم أقل «أنا ممتن لوجودك»؟ فنندم على مكالمة لم نُجرِها، وعلى عناقٍ أجّلناه، وعلى كلمة طيبة ظلت حبيسة الصدر حتى فات أوانها. والندم هنا لا يُصلح شيئًا، لأن من كنا نريد أن نخاطبه لم يعد يسمع.
الكلمة الطيبة لا تكلّف شيئًا، لكنها قد تغيّر يومًا كاملًا في حياة من تقولها له. فلا تنتظر مناسبة، ولا تؤجل إلى وقتٍ أنسب، فقد لا يأتي. اتصل بمن تحب، واعتذر لمن أخطأت في حقه، وقل لأمك وأبيك وصديقك وشريك عمرك ما تنوي أن تقوله يوم الوداع، فهم أحقُّ به وهم أحياء يسمعون.
عبّروا عن حبكم لمن تحبون، وأخرجوا من قلوبكم كل مشاعر الحب والعتاب والحزن والزعل، وقولوا ما تشعرون به بصدق، فما أجمل أن تصل مشاعرنا إلى أصحابها وهم بيننا، بدلًا من أن نتركها حبيسة قلوبنا، ثم نبكي عليها حين يصبح الكلام بلا جدوى.
فالوردة التي توضع على القبر لا تعوّض كلمةً لم تُقَل في حياة صاحبها، والحبُّ لا يكتمل إلا حين يصل إلى من يستحقه وهو قادر على أن يسمعه.
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

