منى السويدان
نائب رئيس التحرير .
لم يكن يعرف أنه يعيش في التاريخ. كان رجلًا عاديًا يستيقظ قبل الفجر، يتحسس طريقه في عتمة البيت، ويصغي لحركة الريح خلف الباب، وينتظر أن يتسلّل الضوء من جهة الشرق. لم يكن يعرف أن بيته سيصبح أثرًا، وأن الطريق الذي تسلكه قدماه سيختفي تحت مدينة أخرى، وأن الإناء الذي يشرب منه الماء ربما سيقف بعد قرون خلف زجاج متحف، يتأمله أناس لا يعرفون اسمه. كان يظن أنه يعيش يومًا آخر من أيامه، ونحن اليوم نسمّي ذلك تاريخًا.
لكن ماذا لو استطعنا أن ندخل ذلك البيت، لا لنرى كيف بُني، وإنما لنفهم كيف كان العالم يتكوّن في نفس صاحبه؟ ماذا لو انتظرنا الفجر معه، ورافقناه إلى البئر والسوق، ثم عدنا قبل أن يستولي الليل على المكان؟ هل سنكتشف أن ما نعدّه اليوم حقائق بديهية عن الحياة لم يكن سوى طريقة واحدة من طرق كثيرة لفهمها؟
الإنسان لا يكتفي بالعيش داخل العالم، وإنما يستخرج من تفاصيله معانيه الكبرى. خذوا الزمن مثلًا. لم تكن الساعة هي التي تخبر ذلك الرجل متى يبدأ يومه؛ كان الضوء، وحركة الظلال، ومواقيت العبادة والعمل، وتعاقب الفصول، تشارك في تنظيم حياته. كان يعرف الوقت من تغيّر العالم حوله، أما نحن فقد أصبحنا ننظّم العالم وفق الوقت الذي نقيسه.
نحدّد للنهار ساعات العمل، وللراحة موعدًا، وللحزن مهلة ينبغي أن ينتهي عندها. نحسب ما أنجزناه وما تأخرنا عنه، حتى إننا قد ننشغل بالساعة في أجمل لحظات حياتنا. متى تحوّل الوقت من إيقاع نعيش معه إلى مقياس نحاكم به أنفسنا؟ لقد منحتنا الساعة قدرة عظيمة على التنظيم، لكننا قد نربح ساعات كثيرة، ثم نفقد القدرة على السكن في ساعة واحدة.
ولنعد إلى الرجل المتجه إلى البئر. كان الماء بالنسبة إليه أكثر من مادة تروي العطش؛ فالمسافة إليه، والجهد المبذول في حمله، واحتمال ندرته، جميعها تدخل في علاقته به. أما نحن فنفتح الصنبور دون أن نفكّر في الرحلة التي قطعها الماء حتى وصل إلينا. لقد حرّر التقدّم الإنسان من كثير من المشقة، لكن سهولة الوصول إلى الأشياء قد تجعلنا أقل انتباهًا إلى ما يتطلبه وجودها. فكم من نعمة لا ندرك اتساعها إلا حين تختل؟ وكم من أمر نعدّه اليوم حقًا طبيعيًا كان بالنسبة إلى أجيال سابقة أمنية؟
ثم يمضي الرجل إلى السوق، حيث قد يسمع خبرًا من مدينة بعيدة، أو يلتقي غريبًا يحمل تصوّرًا لم يخطر بباله. كان عالمه يتّسع بقدر ما يستطيع الوصول إليه، وبقدر ما يصله من معارف. واليوم نحمل في أيدينا وسائل تتيح لنا الاطلاع على ما يحدث في جهات الأرض خلال لحظات، لكن اتساع ما نراه لا يعني بالضرورة اتساع ما نفهمه.
قد يعرف الإنسان أخبار مئات المدن ولا يعرف شيئًا عن حياة جاره، وقد يقرأ آلاف الآراء دون أن يسمح لرأي مختلف بأن يغيّر طريقة تفكيره. فالمعرفة لا تُقاس بعدد الأشياء التي تمر أمام أعيننا، وإنما بمقدار ما تدفعنا إلى مراجعة ما نظنّه يقينًا. وأخطر ما قد يحدث للإنسان أن تتّسع أمامه مساحة العالم، بينما تضيق داخله مساحة التساؤل.
وعندما يعود صاحبنا إلى بيته، يكون الليل قد اقترب. في عالمه، قد يعني الظلام انتهاء أعمال كثيرة وانحسار الحركة. أما نحن فقد جعلنا الليل امتدادًا للنهار، وأضأنا المدن وأطلنا ساعات العمل واللقاء. لكننا حين أزلنا كثيرًا من عوائق الظلام، لم نُلغِ حاجة الإنسان إلى السكون. استطعنا أن نجعل الليل مضيئًا، لكننا لم نجعل النفس مستغنية عن الراحة.
وهذا ما يجعل العلاقة بين الإنسان والعالم متبادلة؛ فالبيئة تشكّل عاداته، ثم يصنع الإنسان أدوات تغيّر بيئته، فتعود البيئة الجديدة لتغيّر عاداته وتوقعاته. وهكذا لا تغيّر الاختراعات ما نستطيع فعله فحسب، وإنما تغيّر أحيانًا ما ننتظره من الحياة.
وهنا يبدأ السؤال الفلسفي: إذا كان الإنسان يتشكّل بالعالم الذي يعيش فيه، ثم يعيد تشكيل ذلك العالم، فأين تنتهي حدود تأثير البيئة، وأين تبدأ إرادته؟ هل نحن أبناء ظروفنا أم صنّاعها؟
الإنسان ليس مادة ساكنة تنقش البيئة عليها ما تشاء، وليس عقلًا مستقلًا يخلق عالمه من العدم. إنه كائن يتأثر ويؤثر، يتعلّم ثم يراجع ما تعلّمه، ويرث عادات ثم يختار ما يبقيه منها.
ومن هنا يصبح التاريخ أكثر من دراسة لما مضى؛ إنه تأمّل في الطريقة التي تتحوّل بها اختيارات البشر الصغيرة إلى عالم ترثه أجيال لم تشارك في صنعه. نحن نعيش داخل نتائج لا نعرف جميع أسبابها، ونصنع في الوقت نفسه أسبابًا لنتائج قد لا نعيش حتى نراها.
لقد مضى الرجل الذي بدأنا معه هذه الرحلة، وانتهى يومه الذي لم يكن يعرف أنه سيصبح جزءًا من التاريخ. ربما عاد إلى بيته متعبًا، وشرب ماءه، واطمأن إلى أصوات أهله، ثم نام دون أن يفكّر في الأسئلة التي نطرحها اليوم عن حياته.
لم يكن محتاجًا إلى أن يعرف أنه يصنع تاريخًا حتى تكون لحياته قيمة؛ فالتاريخ لا تصنعه اللحظات العظيمة وحدها، وإنما تصنعه أيضًا أيام عادية عاشها بشر لم يتخيّلوا أن تفاصيلهم ستصبح موضوعًا للتأمل.
ونحن كذلك، قد يأتي زمن تصبح فيه أدواتنا آثارًا، ومدننا طبقات تحت مدن أخرى، وتفاصيل يومنا العادي مادة يتساءل عنها إنسان لم يولد بعد: كيف كنّا نرى الحياة ونحن نعيشها؟
فالأشياء تخبر الأجيال القادمة كيف عاش الإنسان، لكن المعنى الذي عاش به قد يظل أبعد ما يكون عن متناولها.
وربما لهذا لا يكون فهم الإنسان مجرد محاولة للعودة إلى زمنه، وإنما يتطلب أن نخلع للحظة يقين عصرنا، لندرك أن العالم الذي نراه اليوم ليس العالم كله، وأن الحياة أوسع من الطريقة التي اعتدنا أن نعيشها بها.
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

