الكاتب : عبدالله بن عبيد اليوبي
قد نظن أن الملل لا يتجاوز غياب ما يشغلنا، وأننا نستطيع التخلص منه بعمل جديد، أو لقاء عابر، أو ساعات نقضيها أمام شاشة لا تترك لنا فرصة للهدوء. لكن بعض الملل لا يأتي من قلة الأشياء من حولنا، بل من خفوت المعنى في داخلنا؛ فقد تمتلئ أيام الإنسان بالمواعيد والأحاديث، ومع ذلك يشعر أن شيئًا فيها لا يصل إليه، وأنه يعبرها من غير أن تترك فيه أثرًا.
نحن لا نهرب دائمًا من الفراغ، بل قد نهرب مما يكشفه الفراغ. فالانشغال يمنحنا قدرة مؤقتة على تأجيل الأسئلة التي لا نحب مواجهتها: هل نحيا الحياة التي نريدها، أم الحياة التي اعتدناها؟ هل ما نفعله كل يوم يعبّر عنا، أم أنه مجرد تكرار يحفظ للأيام شكلها؟ وهل الأشخاص والأشياء التي تحيط بنا تملأ أرواحنا، أم أنها تمنعنا فقط من سماع ذلك الصمت العميق في داخلنا؟
ولهذا قد يكون الملل مرآة أكثر منه عارضًا؛ فهو لا يصنع الفراغ بالضرورة، بل يزيل عنه غطاء الانشغال. وما إن تهدأ الحركة حتى يظهر ما كان مختبئًا خلفها: رغبة أهملناها، أو علاقة فقدت معناها، أو حياة تسير بقوة العادة لا بقوة الاختيار. وقد نكتشف أن ما ينقصنا ليس المزيد من الأعمال، بل شعورًا بأن لما نفعله غاية تتجاوز قتل الوقت.
غير أن الإنسان يخشى هذه المواجهة؛ لأنها قد تطال أشياء ظن طويلًا أنها مستقرة. لذلك يسارع إلى ملء يومه بأي شيء، لا لأنه ممتع أو نافع، بل لأنه يحميه من البقاء منفردًا أمام نفسه. وقد يصبح الهروب من الملل طريقًا إلى ملل أعمق؛ فكلما ازدادت الملهيات، ضعفت قدرتنا على الإصغاء إلى ذواتنا، حتى نحتاج في كل لحظة إلى صوت أو صورة أو حديث كي لا نشعر بفراغ لا نعرف له اسمًا.
وليس معنى ذلك أن كل ملل يحمل حقيقة عميقة؛ فقد يكون الإنسان متعبًا، أو محاصرًا بروتين قاسٍ، أو محتاجًا إلى التجديد. لكن الملل الذي يعود رغم تغيّر الأماكن والأشخاص يستحق أن نتوقف عنده؛ لأن المشكلة عندئذ قد لا تكون في اليوم، بل في الطريقة التي نحياه بها. وربما لا نحتاج إلى نشاط جديد بقدر حاجتنا إلى استعادة صلتنا بما نحب، وإلى أن نمنح أيامنا شيئًا من اختيارنا، بدل أن نتركها تمضي كما اعتادت أن تمضي.
الملل إذن ليس دائمًا عدوًّا ينبغي أن نهرب منه، فقد يكون رسالة تقول إن حياتنا اتسعت في ظاهرها وضاقت في معناها. وإذا امتلكنا شجاعة البقاء قليلًا مع هذا الشعور، فقد يدلّنا على ما فقدناه ونحن منشغلون، وعلى ما نريده قبل أن تبتلعه العادة. فالفراغ لا يؤلمنا لأنه خالٍ فحسب، بل لأنه يتركنا وجهًا لوجه أمام سؤال ظللنا نؤجله: ماذا يبقى من أيامنا عندما تسقط عنها ضوضاء الانشغال؟
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

