منى السويدان
نائب رئيس التحرير
ليست السينما مجرد مقعد نغادر إليه حين تضيق بنا ساعات الفراغ، وليست الدراما حكايات نستهلكها ثم نطفئ الشاشة ونمضي.إنها من أكثر الفنون قدرةً على الدخول إلى المناطق التي يصعب على الإنسان الوصول إليها بالكلام المباشر.وقد تتابع مسلسل فتجد نفسك تدافع عن شخصية تشبهك، أو ترفض أخرى لأنها كشفت فيك شيئًا لم تكن مستعدًا للاعتراف به. وهنا تبدأ الوظيفة الأعمق للفن. فالسينما تضعنا أمام حياة أخرى، وتترك لنا مهمة التفكير. تمنحنا فرصة نادرة لأن نعيش نتائج قرارات لم نتخذها، ونفهم آلامًا لم نعشها، ونقترب من مجتمعات ربما لم تطأها أقدامنا. فالسينما تقع بين النفس والسلطة.
فجوزيف ستالين، الذي حكم الاتحاد السوفيتي لعقود، عُرف باهتمامه الكبير بالأفلام، ومشاهدتها في قاعات عرض خاصة،لم تكن الشاشة بالنسبة إليه تسلية فحسب، كانت وسيلة سياسية وثقافية وهنا يتجلى مايستحق التأمل الأداة نفسها التي يستطيع الإنسان أن يكتشف من خلالها حريته، يمكن أن تُستخدم لتوجيه أفكاره وتشكيل قناعاته. فالسينما تمتلك تأثيرها من الصورة، ومن قدرتها على جعل الفكرة تُعاش قبل أن تُناقش.وفي علم النفس، ظهر ما يُعرف بالعلاج بالسينما، أو Cinema Therapy، وهو توظيف الأفلام ومناقشة مضامينها لمساعدة الإنسان على استكشاف مشاعره وتجربته الشخصية.
فماذا حصل حين بدأت الحكاية السعودية تتحدث بصوتها ومن هنا أكتب اليوم، ويغمرني فخرٌ حقيقي بما وصلت إليه السينما والدراما السعودية. فما نشهده ليس مجرد زيادة في عدد الأفلام والمسلسلات، ولا توسعًا في الإنتاج، انه تحوّل في حضور الحكاية السعودية نفسها.لقد أصبحنا نشاهد أعمال لا تكتفي بعرض المجتمع، بل تقترب من تعقيداته، وتفتح ملفاته، وتعيد النظر في بعض المسلّمات التي اعتدنا المرور بجانبها دون مساءلة. أعمال تتناول العلاقات الزوجية، والخيانة، والتفكك الأسري، والصراعات المالية، والتنمر، والتحولات الاجتماعية، والهوس بالشهرة، والفجوة بين الأجيال، والتناقض بين ما نعلنه أمام الناس وما نعيشه خلف الأبواب. وهذه في نظري إحدى علامات النضج الفني أن يمتلك العمل شجاعة الاقتراب من المجتمع دون أن يتحول إلى خطبة، وأن يطرح المشكلة دون أن يدّعي امتلاك حلّها الوحيد. لقد أصبح للدراما السعودية حضور يجعلني أتابعها لا بدافع الانتماء الوطني وحده، وإنما لأنني أجد فيها كتابة تستحق التأمل، وأداء قادرًا على الإقناع، وإخراجًا يفهم أن الصورة لغة مستقلة، وأن الصمت أحيانًا أكثر بلاغةً من الحوار.وأجدني أزداد إعجابًا بالممثل السعودي حين يستطيع أن يجعلني أنسى اسمه الحقيقي، فلا أرى أمامي إلا الشخصية التي يجسدها أتفهم تناقضاتها، وأغضب من قراراتها، وأتأثر بمصيرها. ذلك هو الامتحان الحقيقي للممثل أن يجعلك تنسى أنك تشاهد تمثيلًا.
أما الكاتب السعودي، فقد بدأ يثبت أن حكاياتنا المحلية ليست محدودة كما قد يظن البعض، وأن التفاصيل التي تبدو شديدة الخصوصية يمكن أن تحمل أسئلة إنسانية يفهمها المشاهد في أي مكان من العالم. فالأم التي تخاف على أبنائها، والزوجة التي تعيش اغترابًا داخل بيتها، والأب الذي يكتشف متأخرًا أثر غيابه، والشاب الذي يتعثر بين طموحه وضغط المجتمع جميعهم شخصيات سعودية في بيئتها، إنسانية في جوهرها. وكلما كان العمل صادقًا في محليته، ازدادت قدرته على الوصول إلى العالم.
ولا يقلّ المخرج السعودي أهميةً في هذا التحوّل فالمخرج المتمكن لا يكتفي بتسجيل ما كتبه المؤلف، بل يمنح الحكاية إيقاعها البصري، ويجعل المكان جزءًا من المعنى.
ثم تأتي الموسيقى التصويرية، ذلك الفن الذي قد يسبق إدراكنا للمشهد إلى أعماق شعورنا.كم من مشهدٍ عادي أصبح استثنائيًا لأن موسيقاه عرفت كيف تمنحه بُعدًا لم تقله الكلمات؟
هنا ندرك أننا أمام صناعة تتكامل فيها الكتابة، والتمثيل، والإخراج، والتصوير، والمونتاج، والصوت، والموسيقى، وتصميم المشهد.إنه جهدٌ جماعي يستحق أن نرى أصحابه جميعًا، لا أن نختزل نجاح العمل في وجه يظهر على الشاشة… من المحلية إلى المنافسة أرى أن السينما والدراما السعودية تجاوزت مرحلة البحث عن مجرد حضور، وأصبحت تدخل مساحة المنافسة الفنية بثقة متزايدة اصبحنا نشاهد عملًا متقنًا ونفتخر بأن هذه الجودة صُنعت في وطننا…نصوص تحترم ذكاء المشاهد، وحوارات تشبه الناس دون ابتذال، وشخصيات لا تُختزل في صورة الخير المطلق أو الشر المطلق، وحبكات لا تعتمد على الصدمة وحدها لإثارة الانتباه نمتلك بيئات اجتماعية متنوعة، ولهجات وثقافات محلية ثرية، وتاريخًا ممتدًا، وتحولات معاصرة تستحق أن تُروى.
ولدينا من القصص ما يكفي لصناعة أعمال تصل إلى المشاهد العربي والعالمي دون أن تتخلى عن هويتها السعودية.فالسينما العظيمة لا تُقاس فقط بإيراداتها، ولا بعدد المشاهدات، ولا بضجيج الحديث عنها، تقاس بما يبقى منها حين ينتهي كل ذلك.قد تنتهي الحلقة، لكن يبدأ بسببها حوار بين أب وابنه.وقد يغادر زوجان صالة السينما وهما يفكران للمرة الأولى في مسألة تجنّبا الحديث عنها سنوات.وقد يرى مراهق شخصية تشبه معاناته، فيدرك أن ما يمرّ به ليس تجربة لا يفهمها أحد.وهنا تصبح الدراما مساحةً للفهم، لا مجرد مساحة للفرجة.
وأتمنى أن تواصل الصناعة السعودية هذا الطريق، وأن تمنح الكتّاب والمخرجين والممثلين فرصًا أوسع للمغامرة الفنية، وأن نرى المزيد من الأعمال التي لا تخشى الأسئلة المعقدة، ولا تستسهل الإجابات.فالمجتمع الذي يروي قصصه بصدق يمنح أبناءه فرصة ليروا أنفسهم من زوايا مختلفة.
وأنا اليوم أفخر بأن حكاياتنا أصبحت تمتلك من الأدوات والمواهب ما يجعلها تستحق أن تُسمع خارج حدودنا.فالسينما قد تبدأ من شاشة، لكنها لا تنتهي عندها.
وحين تنضج صناعة الحكاية في وطن ما، فإنه لا يكتفي بأن يكون حاضرًا في الصورة… يصبح قادرًا ايضاً على أن يروي للعالم كيف يرى نفسه، وكيف يريد أن يُفهم.
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : Tweets by shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

