الكاتبة : دلال كمال راضي .
ليس كل ما يفرق الإخوة خصومة قديمة، ولا كل قطيعة تبدأ بكلمة جارحة، فأحيانًا يكون السبب عقارًا، أو قطعة أرض، أو حسابًا مصرفيًا، أو إرثًا تركه أب وأمّ ظنا أن أبناءهما سيقتسمونه كما اقتسموا خبز الطفولة ودفء البيت، لكن المال حين يغيب عنه العدل، يستطيع أن يفعل ما لا يفعله الأعداء.
كم من أسرة عاشت عمرًا متماسكة، يتقاسم أفرادها الأفراح والأحزان، ويجتمعون حول مائدة واحدة، ثم جاءت لحظة رحيل الوالدين، فإذا بالقلوب التي كانت متقاربة تتباعد، وإذا بالأخ يصبح خصمًا لأخيه، والأخت التي كانت تستند إلى أخيها تخشى أن تطالبه بحقها، وكأن المطالبة بحق شرعي أصبحت نوعًا من التمرد والخروج عن دوائر الاحترام.
في كثير من الأسر تبدأ الحكاية قبل وفاة الوالدين، حين توضع أموال العائلة وممتلكاتها في يد شخص واحد، غالبًا الأخ الأكبر، بحكم السن والثقة والعرف يصبح هو المدير والوكيل، وتصبح كلمته هي المرجع، بينما يلتزم الآخرون الصمت احترامًا للكبير، أو حياءً منه، أو خوفًا من أن يتحول السؤال عن المال إلى إساءة أو اتهام، وهذا الصمت الذي يبدو في بدايته احترامًا، قد يتحول مع مرور الوقت إلى باب واسع لضياع الحقوق فالوكالة ليست ملكية، والثقة ليست تنازلًا عن الحقوق، ومن أُوكل إليه مال أهله لم يصبح مالكًا له، وإنما أصبح مؤتمنًا عليه.
وغالبا ما تبدأ المشكلة حين يعتاد الوكيل وغالبًا ما يكون الأخ الأكبر أن يتصرف وحده، وحين تختلط أموال الأسرة بأمواله، وحين لا توجد حسابات واضحة ولا مستندات ولا كشف لما دخل وما خرج، عندها قد تتسع المسافة بين الأمانة والاستئثار، ويبدأ في إقناع نفسه بأن ما أخذه مستحق له، لأنه تعب أو لأنه أدار الممتلكات سنوات، أو لأنه تحمل المسؤولية، أو لأن إخوته لم يعترضوا، ثم يكبر التبرير حتى يصبح حق الآخرين في نظره أمرًا قابلًا للتأجيل، ثم للمساومة، وربما للسلب.
والأشد وجعًا أن تكون الأخت هي الحلقة الأضعف، فما زالت بعض البيئات تنظر إلى حق المرأة نظرة ناقصة، وكأن الأخ أولى بالمال لمجرد أنه رجل، وكأن مطالبة الأخت بنصيبها خروج عن العادات والتقاليد، بينما مطالبة الأخ بحقه شجاعة، وقد تضطر بعض الأخوات إلى الصمت بدافع الحياء أو الخوف من كلام الناس أو حفاظًا على ما تبقى من صلة الرحم، وهنا يجب أن نتوقف قليلًا، فالأخت لا تأخذ من أخيها حقه حين تطالب بحقها، إنما تأخذ حقًا لها، وليس من الرجولة أن يستقوي الأخ على أخته، ولا من البر أن يصمت الإنسان عن ظلم يقع على أحد إخوته، فالعدل يقتضي قدرة الجميع على حفظ حقوق بعضهم،
وما أقسى أن يتحول الأخ الأكبر، الذي كان يفترض أن يكون سندًا لإخوته، إلى حارسآ على أموالهم يمنعها عنهم، ثم يحدثهم طويلًا عن تعبه وفضله وما قدمه للأسرة، وكأن إدارته للأموال جعلته شريكًا في حقوقهم.
إن تعب الإنسان في خدمة أسرته يبقى محل تقدير واحترام، لكن التقدير شيء، وملكية أموال الآخرين شيء آخر، والمال هنا ليس المشكلة الوحيدة، فالمشكلة الأعمق هي حين يضعف الخوف من الله أمام إغراء المال، فالإنسان قد يستطيع أن يخدع إخوته، وأن يؤجل الحساب، وأن يستفيد من صمتهم، وأن يختبئ خلف الأعراف، لكنه لا يستطيع أن يختبئ من الله، ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بمال إخوته أن يقنع نفسه بأن ما أخذه أصبح حقًا له لمجرد أنه استطاع أخذه.
إن علاج هذه المشكلة لا ينبغي أن يبدأ بعد أن تتشقق العلاقات، بل قبل ذلك بكثير، فعلى الوالدين أن يدركا أن ترك الأموال بلا تنظيم، وترك الممتلكات بلا وثائق، ووضع كل شيء في يد أحد الأبناء، قد يكون بذرة لخلاف لا يظهر إلا بعد رحيلهما،
ومن الحكمة أن تكون أملاك الأسرة وأموالها معروفة، وأن تكون الحسابات واضحة، وأن توثق الحقوق والديون والشراكات، وأن يعرف كل فرد ما له وما عليه، وإذا لزم الأمر أن أحد الأبناء يتولى الإدارة، فينبغي أن تكون مهمته محددة، وأن تكون هناك شفافية ومراجعة، ليس لأن الأسرة لا تثق به، وإنما لأن الوضوح يحمي الثقة من أن تتحول إلى خصومة، فبعد وفاة الوالدين ليست التركة ملكًا لمن كان يديرها في حياتهما، ولا لمن كان أكبر الأبناء، ولا لمن كان أكثر حضورًا أو نفوذًا، فهي حقوق شرعية يجب أن تؤدى إلى أصحابها، بعد إخراج ما يتعلق بالتركة من ديون ووصايا مشروعة، ثم تقسيمها وفق أحكام الشرع والقانون، ولا يجوز أن يصبح العرف أقوى من الشرع، ولا أن تصبح الذكورة سببًا لانتقاص حق الأخت، ولا أن يتحول حياؤها إلى فرصة للاستيلاء على نصيبها.
وفي المقابل على الأبناء أن يتعلموا أن السؤال عن الحقوق ليس عيبًا، وأن المطالبة بالحساب ليست قطيعة رحم، وأن توثيق الأموال لا يعني انعدام الثقة، فالإنسان الحكيم لا ينتظر حتى يختلف مع أخيه ليبحث عن الأوراق والدفاتر.
من ناحية أخرى قد تنجح الأسرة في تنظيم الأموال، وقد توثق كل شيء، وقد تستعين بالمحامين والمحاسبين، لكن يبقى هناك شيء لا تستطيع الأوراق وحدها أن تصنعه وهو الضمير وتقوى الله، فإذا غابت التقوى وجد الإنسان ألف طريقة للتحايل على الحقوق، وإذا حضرت التقوى حفظ الأخ حق أخته حتى لو كان يستطيع أخذه دون أن يكتشفه أو يعترضه أحد، لذا فإن أعظم ما يحتاجه الإنسان حين تكون أموال إخوته بين يديه ليس الذكاء في إدارة المال أو الاحتيال عليه، وإنما الخوف من الله واستشعار رقابته، فما قيمة المال إن كان وراءه قلب مكسور لأخ أو أخت، فالمال يذهب، والأرض تباع، والعقار يتغير مالكه، لكن جرح الأخوة قد يبقى سنوات، وربما ينتقل من جيل إلى جيل.
لذلك فإن الحكمة ليست في أن نترك للأبناء أموالًا كثيرة فحسب، بل أن نترك لهم ما هو أثمن، أي نترك لهم قلوبًا لا تحمل غلًّا لبعضها، وحقوقًا واضحة، وضمائر لا تخجل من العدل، فكم من آباء ورثوا أبناءهم الأموال والعقارات، لكنهم لم يتركوا لهم أعظم ما كان ينبغي أن يرثوه،وهو الإخوة.
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : Tweets by shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com


قلت وأفصحت واطلقت ماحُبس داخل القلوب والصدور ونطقت بما اخرس الالسن لتجنب الفهم الخطاً وخسارة روابط عائليه واستغلال الموكلين وتزمتهم بارك الله في حرف ينطق بالحق ويطالب بالعدل