Site icon مجلة شبابيك العالمية

خلف الباب والواجهة

منى السويدان
نائب رئيس التحرير

كانا يزرعان شجرةً في فناء البيت. قال وهو يثبت الجذع: إذا كبرت، نضع تحتها مقعدين. ابتسمت وهي تجمع التراب حولها: بتكون حلوة. كان يتحدث عن المقعدين كما يتحدث الإنسان عن شيء سيأتي حتمًا، أما هي فكانت تعرف أنها لن تجلس على أحدهما.

لم تكن تنوي البقاء طويلًا. لم تخبره. تركته يشتري البيت، ويرتب السنوات، ويستخدم كلمة «نحن» كما لو أنها وعدٌ لا يحتاج إلى تفسير، بينما كانت قد وضعت للكلمة تاريخ انتهاء.

أما هو، فكان يريد الزواج بطريقة مختلفة. يريد بيتًا وأطفالًا وصورة رجل مستقر يراها الناس مكتملة. لم يكن يعرف أنها تخطط للمغادرة، وهي لم تكن تعرف أنه ربما كان متعلقًا بوجود زوجة أكثر من تعلقه بالمرأة التي أصبحت زوجته.

وهنا كانا يعيشان الزواج نفسه، لكن كل واحد منهما كان قد تزوج شيئًا مختلفًا: هي تزوجت مرحلة، وهو تزوج صورة، ولا أحد منهما تزوج الحقيقة كاملة.

المسألة ليست رجلًا وامرأة، بقدر ما هي سؤال أخلاقي: ماذا لو قال شخصان «نعم»، وكان كل واحد منهما يوافق على شيء مختلف تمامًا؟

قد يتغير الإنسان، وقد تتبدل المشاعر، وقد يصل الزواج إلى نهايته. لكن الخداع يبدأ حين تكون النهاية جزءًا من خطتك، بينما ما زالت البداية جزءًا من حلم الآخر؛ حين تمنح إنسانًا معلومات ناقصة، ثم تأخذ منه قرارات كاملة.

فهو لا يمنحك مشاعره فقط، بل قد ينجب طفلًا، ويرتب ماله، ويغيّر أولوياته، ويرفض فرصًا، ويضع سنوات من عمره داخل مستقبل يعتقد أنكما تتشاركان تعريفه.

لكن الرجل أيضًا كان يحمل خداعًا من نوع آخر. لم يكن يريد الرحيل، بل كان يريد البقاء طويلًا، ربما لأن وجود الزوجة والأطفال يمنحه صورة الحياة التي يريد أن يراها الناس عنه: رجلًا تزوج واستقر وبنى عائلة.

عندها يتحول الشريك، من حيث لا نشعر، من إنسان إلى وثيقة اجتماعية؛ لا نراه كما هو، بل كما يجعلنا نبدو. وقد يصبح السؤال الأصعب: هل يحبها فعلًا، أم يحب الحياة التي يثبت وجودها بجانبه أنه نجح في بنائها؟

وهكذا كانت هي تنظر إلى الباب، بينما هو ينظر إلى الواجهة. وبين الباب والواجهة كان هناك شيء يُسمّى زواجًا، ولا أحد ينظر إليه.

ثم يأتي السؤال الأسهل: كم سنة متزوجين؟ وكأن السنوات تستطيع أن تخبرنا ماذا حدث بين شخصين. قد يستمر زواج ثلاثين عامًا لأن شخصين اختارا بعضهما كل يوم، وقد يستمر ثلاثين عامًا لأن أحدهما يخاف المغادرة، والآخر يخاف شكل حياته بعدها. السنوات واحدة، لكن الحقيقة مختلفة.

الخاتم لا يثبت الألفة، والبيت لا يثبت الأمان، والأطفال لا يثبتون نجاح العلاقة، والصورة لا تعرف ماذا حدث قبل التقاطها بلحظات. قد تكون كل الأدلة موجودة، ويكون الشيء الذي جاءت الأدلة لتثبته غائبًا.

وفي النهاية، كبرت الشجرة ووصل ظلها إلى النافذة، تمامًا كما قال. لكن المقعدين لم يعودا مهمين؛ فقد اكتشف الرجل متأخرًا أن المرأة التي وضعها في مستقبل سنواته، كانت قد غادرت ذلك المستقبل قبل أن تغادر البيت.

وربما اكتشفت هي أيضًا أنه لم يكن خائفًا من فقدها وحدها، بل من اليوم الذي سيضطر فيه إلى إخبار الناس أن الصورة لم تعد مكتملة.

هي كانت تنتظر الوقت المناسب لتخرج من الباب، وهو كان مستعدًا لإغلاق كل الأبواب… كي تبقى الواجهة كما هي.

________________________________________

المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه

تويتر : Tweets by shababeks_1

سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1

انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag

قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag

لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

Exit mobile version