الكاتب : عبدالله بن عبيد اليوبي .
ليس السؤال: متى ظهر الإنسان على الأرض؟ فهذا سؤال يبحث في الأزمنة والآثار والبقايا القديمة، وقد يحاول العلم أن يقترب من إجابته بما يكتشفه من عظام وأدوات وآثار. لكن السؤال الأعمق هو: متى أصبح الإنسان إنسانًا بالمعنى الذي نفهمه اليوم؟
هل حدث ذلك عندما وقف على قدميه؟ أم عندما أمسك حجرًا وصنع منه أداة؟ أم عندما اكتشف النار؟ ربما كانت هذه كلها محطات مهمة في رحلته، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير ذلك التحول العجيب الذي جعل كائنًا يعيش في الطبيعة قادرًا على أن يسأل عنها، ويتأملها، ثم يحاول أن يفهم موقعه داخلها.
ربما بدأ الإنسان يصبح إنسانًا عندما لم يعد يرى الأشياء كما هي فقط، بل بدأ يمنحها معنى. فالحجر لم يعد حجرًا حين صنع منه أداة، والنار لم تعد ظاهرة يخشاها حين تعلم كيف يستخدمها، والمكان لم يعد أرضًا يقف عليها حين أصبح بيتًا يعود إليه.
لكن شيئًا أكثر عمقًا حدث عندما بدأ الإنسان يدفن موتاه. فالدفن لا يحتاج إليه الميت، بل يحتاج إليه الأحياء. وحين يتوقف إنسان أمام جسد إنسان آخر رحل، ثم يرفض أن يتركه كما تترك الطبيعة سائر الأشياء، فإننا نقف أمام شيء يتجاوز الغريزة المباشرة؛ أمام ذاكرة وعاطفة وسؤال ربما لم يكن يملك له جوابًا.
ثم رسم الإنسان على جدران الكهوف. ولم تكن الرسوم طعامًا يشبعه ولا سلاحًا يحميه، ومع ذلك بذل جهدًا ليترك صورة لحيوان أو مشهد أو أثر يد. وكأن الإنسان منذ زمن بعيد لم يكتفِ بأن يعيش، بل أراد أن يترك دليلًا على أنه عاش.
ومع اللغة حدث تحول آخر؛ فلم يعد الإنسان يعيش تجربته وحده، بل أصبح قادرًا على أن يمنحها للآخرين. يخبر أبناءه عن طريق لم يسلكوه، وعن خطر لم يروه، وعن إنسان مات قبل أن يولدوا. وهنا لم تعد المعرفة تموت بموت صاحبها، وبدأت الذاكرة تنتقل من الفرد إلى المجتمع، ومن جيل إلى جيل.
ومن هنا ربما بدأت البذرة الأولى للتاريخ؛ فالإنسان لم يعد ابن لحظته وحدها، بل أصبح يحمل شيئًا ممن سبقوه، ويترك شيئًا لمن سيأتون بعده.
لذلك قد لا تكون هناك لحظة واحدة نستطيع أن نقول عندها: هنا أصبح الإنسان إنسانًا. لقد كانت رحلة طويلة؛ من الأداة إلى اللغة، ومن الخوف إلى السؤال، ومن المأوى إلى البيت، ومن الجماعة إلى المجتمع، ومن موت الفرد إلى ذاكرة الأحياء.
وربما لم يصبح الإنسان إنسانًا عندما استطاع أن يغيّر العالم من حوله فقط، بل عندما أصبح قادرًا على أن يقف أمام هذا العالم ويسأل: من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟ وماذا سيبقى مني بعد أن أرحل؟
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : Tweets by shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

