الكاتبة : أنيسة مجاهد.
حين تختلط مشاعرنا، وتزدحم الأفكار في رؤوسنا، قد نظن أننا فقدنا القدرة على معرفة الطريق الصحيح.
نفكر بإيجابية تارة، وبسلبية تارة أخرى، ونسمع آراء كثيرة، ونحلل كل احتمال، حتى يصبح السؤال البسيط معقدًا:
أي طريق نختار؟ وأي فكرة تستحق أن نقود بها حياتنا؟
ربما علينا، قبل أن نبحث عن الإجابة في الخارج، أن نعود قليلًا إلى البداية.
إلى ذلك الإنسان الصغير الذي كنا عليه يومًا.
فالطفل لا يولد وهو يعرف كيف يجلس، ولا كيف يحبو، ولا كيف يمشي، ولا كيف يتحدث. ومع ذلك، توجد بداخله رغبة عجيبة تدفعه إلى التعلم.
يحاول الجلوس.
يسقط.
ثم يحاول مرة أخرى.
يبدأ بالحبو، ويتحرك نحو الأشياء بدافع الفضول، وكأنه يريد أن يعرف هذا العالم بيديه وعينيه وحواسه كلها.
ثم تأتي مرحلة المشي.
يقف متشبثًا بما حوله، يسقط ويتألم، ثم ينهض.
لا أحد يستطيع أن يشرح لطفل في عامه الأول فلسفة المثابرة، لكنه يمارسها بالفطرة.
لا يقول لنفسه بعد السقوط:
ربما المشي ليس مناسبًا لي.
ولا يجلس ليقارن نفسه بطفل آخر سبقه بالمشي.
إنه يحاول؛ لأنه يرى شيئًا يريد الوصول إليه.
وكأن داخله يقول له:
أستطيع… وسأحاول حتى أفعل.
ثم يبدأ الكلام.
أصوات غير واضحة، كلمات قليلة، محاولات قد لا يفهمها الآخرون، ثم تتسع حصيلته كلمة بعد كلمة، حتى يستطيع بعد سنوات أن يعبر عن أفكاره ويكوّن الجمل ويتحدث بطلاقة.
هكذا بدأنا جميعًا.
بفضول.
ومحاولة.
وإلحاح داخلي.
ورغبة في المعرفة.
لم يكن هدفنا في طفولتنا أن نثبت للآخرين أننا قادرون.
كنا نتعلم لأن شيئًا في داخلنا يريد أن يعرف.
وهنا تكمن إحدى أعظم المواهب التي يحملها الإنسان منذ نعومة أظفاره:
موهبة الاختيار.
ننظر، ونجرب، ونقترب، ونتراجع، ثم نختار.
ومع مرور السنوات، يصبح العالم من حولنا أكثر ازدحامًا.
ندخل المدرسة، ونختلط بالبشر، ونسمع آراءهم، وتجاربهم، ومخاوفهم، وأحكامهم، وتوقعاتهم.
يقول أحدهم: لا تستطيع.
ويقول آخر: هذا صعب.
ويخبرنا ثالث كيف يجب أن نعيش.
ثم، دون أن نشعر، يصبح صوت الخارج أعلى من صوت الداخل.
وهنا يبدأ التشتت.
ليس لأننا فقدنا قدرتنا على الاختيار، ولكن لأن كثرة الأصوات جعلت سماع رغبتنا الداخلية أكثر صعوبة.
فنبدأ أحيانًا في العيش داخل مشكلات كان يمكن أن تمر، فنضخمها بالتفكير.
ونستهلك عقولنا في متابعة الآخرين، وتحليل تصرفاتهم، والانشغال بما قالوا وما فعلوا، حتى لا يبقى في داخلنا متسع للسؤال الأهم:
ماذا أريد أنا أن أبني؟
هناك دائمًا أكثر من طريق أمامنا.
قد نختار أن نستهلك طاقتنا في الخصومات، والمقارنات، والخوف، والشك، وإعادة التفكير في المواقف نفسها عشرات المرات.
وقد نختار أن نوجه هذه الطاقة نحو التعلم، والعمل، والإحسان، والنمو، وصناعة شيء نافع لنا ولغيرنا.
وهنا لا يصبح السؤال:
هل أفكر بإيجابية أم بسلبية؟
فالحياة لا تحتاج منا أن نتجاهل الصعوبات باسم التفكير الإيجابي، ولا أن نستسلم لها باسم الواقعية.
السؤال الأعمق هو:
أي فكرة ستدفعني إلى فعل أفضل؟
فالفكرة النافعة ليست دائمًا الفكرة المريحة.
قد تكون أحيانًا فكرة تقول لنا:
تعلم.
غير طريقتك.
ابدأ من جديد.
اعترف بالخطأ.
ضع حدودًا.
اصبر.
حاول مرة أخرى.
هذه الأفكار قد تكون ثقيلة في البداية، لكنها تحرك الإنسان نحو النمو.
أما بعض الأفكار الأخرى، فقد تبدو منطقية، لكنها تبقينا سنوات ندور في المكان نفسه.
ولهذا عندما تختلط المشاعر، لا ينبغي أن نسأل فقط:
ماذا أشعر؟
بل نسأل أيضًا:
إلى أين سيأخذني هذا الشعور إذا اتبعته؟
هل يقودني إلى فهم أكبر؟
إلى علم؟
إلى عمل؟
إلى إصلاح؟
إلى رحمة؟
إلى بناء؟
أم يعيدني كل يوم إلى النقطة نفسها؟
ربما الإنسان لا يحتاج في كل مرة إلى المزيد من الأفكار.
أحيانًا يحتاج إلى تقليل الضجيج.
أن يصمت قليلًا عن أصوات الآخرين، وينظر إلى نفسه كما كان ينظر إلى العالم وهو طفل:
بفضول، لا بخوف.
أن يسأل:
ماذا أستطيع أن أتعلم من هذا؟
ماذا لم أجرب بعد؟
ما الخطوة الصغيرة التي أستطيع فعلها الآن؟
فالطفل الذي تعلم المشي بالسقوط لم يختفِ من داخلنا.
والطفل الذي سأل عن كل شيء لم يفقد فضوله.
والإنسان الذي خُلق قادرًا على التعلم لم تنتهِ قدرته على البدء من جديد.
لكننا كلما كبرنا، قد نحتاج إلى إزالة ما تراكم فوق تلك الفطرة من خوف، ومقارنات، وآراء، وتجارب، حتى نسمع ذلك الصوت الهادئ مرة أخرى.
الصوت الذي لا يقول لنا إن الطريق سيكون سهلًا، بل يذكرنا بأننا قادرون على التعلم أثناء السير فيه.
لقد بدأنا حياتنا بالمحاولة.
تعلمنا الجلوس، ثم الحبو، ثم المشي، ثم الكلام، ثم السؤال.
ولعل الدرس الذي نسيناه حين كبرنا هو أن الإنسان لم يُخلق ليعرف كل شيء قبل أن يبدأ.
لقد خُلق قادرًا على التعلم أثناء الطريق.
فحين تختلط عليك المشاعر والأفكار، لا تبحث دائمًا عن الطريق الذي يخلو من الخوف.
ابحث عن الطريق الذي يحمل معرفة، ونموًا، وإحسانًا، ونفعًا، ومعنى.
ثم ابدأ.
ولو بخطوة.
فكل واحد منا عرف هذه الحقيقة يومًا، قبل أن يعرف حتى كيف ينطقها:
السقوط لا يعني نهاية الطريق…
إنه جزء من تعلّم المشي.
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : Tweets by shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

