Site icon مجلة شبابيك العالمية

إعادة تشكيل .

الكاتبة : ضحى المطيري .

هناك مرحلة في حياة كلٍّ منا نعجز عن إعطائها المسمّى الذي يليق بها. ليست بالضرورة مرحلة انهيار، ولا يليق بها أن نجمّلها ونسميها «وعيًا» فقط.

ربما نشعر في داخلنا أننا بالفعل وصلنا إلى مرحلة أصبحنا فيها أكثر وعيًا من السابق، أقل اندفاعًا، وأكثر ملاحظة للتناقضات من حولنا. ليس لأن كل شيء تغيّر فجأة، بل لأننا كنا في السابق نتجاوز بعض الأحاديث والمواقف ونتغاضى عنها، ثم بدأنا نتوقف عندها، ونفسرها، ونفهمها بصورة مختلفة.

فالإنسان بعد الخسارات والخذلان يصبح أكثر ترقبًا للأذى.

تبدأ عقولنا بالتقاط النظرة والكلمة والصمت بمنظار آخر، وتبني من خلالها استنتاجات قد يصيب بعضها ويخطئ بعضها الآخر. وربما تكون هذه الحساسية الجديدة خبرة صنعها الألم.

إنها مرحلة تحاول أن تسلبنا الثقة المطلقة وتحولنا إلى الشك المطلق، وهنا نقف في المنتصف حائرين: هل تخبرنا تلك الاستنتاجات يقينًا بما في قلوب الآخرين؟، هل بالفعل انكشفت حقيقة الكثيرين؟، أم أننا أصبحنا نقرأ كل شيء بعينٍ تعلّمت الخوف؟.

إنها دائرة مرهقة جدًا من التأويل ومحاولة فهم الناس. وربما يكون أهم درس ينبغي أن نخرج به من تلك المرحلة أن الشخصية القديمة كانت تحكي وتشارك لأخلاق كانت تحملها، لا لأخلاق كانت تضمنها في الآخرين.

وربما كانت بعض صدماتنا نتيجة سوء تقديرنا للآخرين، لا بالضرورة نتيجة سوءٍ فيهم. ويكفي النسخة الجديدة أن تتعلم الحدود، ليس خوفًا، بل نضجًا في الخصوصية. هذه الحدود ستجعل بعض العلاقات تتغير؛ لأننا توقفنا فقط عن أداء الدور الذي اعتاده الآخرون منا.

فلتتغير؛ في تلك الرحلة وضعت سؤالًا كبيرًا يحمل في داخله معاني كثيرة: هل نحن الخطأ، أم أن المكان الذي نحن فيه هو الخطأ؟

ثم أدركت أن السؤال نفسه لم يكن عادلًا؛ لأنه يفترض أن الإجابة لا بد أن تقف في صف أحد الجانبين.

فالابتعاد عن المثالية يجعلنا نعترف بأن فينا أشياء تحتاج إلى التغيير، وهذا يأخذنا إلى النصف الأول من السؤال. وفي المقابل، هناك علاقات بالفعل تحتاج إلى مسافة وحدود، وربما إلى إنهاء، وهذا يأخذنا إلى نصفه الآخر.

ولأننا في مرحلة هدم وبناء، فليس من الحكمة أن نصدر أحكامًا نهائية لصالح أي من الطرفين. ربما كل المطلوب منا في هذه المرحلة أن نعيش بحدود، لا بريبة وشك دائم.

أن نتعلم دون أن نقسو، أن ننتبه دون أن نشك في الجميع، وأن نترك دائمًا مساحة لاحتمال أننا لم نرَ الصورة كاملة، مهما بدت لنا أسباب الشك مقنعة، أن نحمي مساحتنا دون أن نغلق أبوابها، وأن نسمح للتجربة بأن تغيّرنا دون أن نسمح لها بأن تجعلنا نسخة خائفة من أنفسنا.

وربما السؤال الذي يستحق أن يُكتب في نهاية كل خسارة هو: ماذا خسرنا؟ وماذا وُلد فينا بسبب تلك الخسارة؟

تلك، بحسناتها وسيئاتها، هي إعادة التشكيل.

Exit mobile version