مشاري الوسمي.
رئيس التحرير.
هناك أوطانٌ تصنعها الجغرافيا، وأوطانٌ تعيد صناعة الجغرافيا من حولها. وحين نظر الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- إلى هذه الأرض، لم تكن الدولة التي أرادها على الخريطة بعد؛ كانت في رأسه. رآها قبل أن يراها الآخرون، وآمن بالوحدة قبل أن تكتمل، وحمل وطنًا في صدره، ثم مشى به فوق الرمل حتى صار حقيقة.
بعض الرجال يعيشون داخل أوطانهم، وعبدالعزيز كان يحمل وطنًا كاملًا داخله. ومنذ ذلك اليوم، تعلّمت السعودية شيئًا لن تنساه: أن الخريطة ليست دائمًا ما نرثه؛ أحيانًا هي ما نجرؤ على رسمه.
واليوم، بعد ستةٍ وتسعين عامًا، تغيّر شكل التحدي، العالم من حولنا تضيق خرائطه بالحروب، وتزدحم موائد السياسة بالخصومات، وتعيد الدول حساباتها كلما اشتعلت جبهة أو اهتز اقتصاد.
وسط ذلك كله، لم تكن السعودية تنتظر أن يهدأ العالم لتعرف ماذا تريد؛ كانت تعرف.
وحين أُغلقت أبوابٌ بين خصوم العالم، فُتحت أبواب الرياض وجدة للحوار؛ فاستضافت الرياض المحادثات بين روسيا والولايات المتحدة في فبراير 2025، ثم استضافت جدة المحادثات بين الولايات المتحدة وأوكرانيا في مارس من العام نفسه، ضمن مساعي المملكة لتعزيز الأمن والسلام ودعم الحلول بالحوار.
وهنا تكمن الصورة: لم نعد نبحث عن كرسيٍ على طاولة العالم؛ أصبحت بعض طاولات العالم تُنصب عندنا، وليست المسألة قاعةً وأعلامًا ومقاعد؛ إنها ثقةٌ تراكمت حتى أصبح في الرياض صوتٌ يُسمع، وفي السعودية بابٌ يُطرق حين تُغلق أبواب كثيرة.
هكذا تبدو القوة حين تنضج؛ لا تحتاج دائمًا إلى أن تضرب الطاولة، يكفي أحيانًا أن يجلس المختلفون حولها عندك.
وفي فلسطين، بقي للمملكة موقفها المعلن: رفض تهجير الشعب الفلسطيني، والعمل من أجل حل الدولتين، مع التأكيد على حق الفلسطينيين في دولة مستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، فالسياسة قد تعرف تبدّل المصالح، لكن هناك حقوقًا لا ينبغي أن تتبدل بتبدّل الريح.
أما في الداخل، فكانت هناك شجاعةٌ من نوع آخر: أن تقف دولةٌ فوق ثروةٍ هائلة، ثم تقرر ألا تجعل مستقبل أبنائها مرهونًا بما تحت أقدامهم، كان النفط يستطيع أن يمنحنا منطقة راحة طويلة، لكن الأوطان الكبيرة لا تنام فوق ثرواتها.
لهذا لم تكن رؤية 2030 مجرد مشروعات وأرقام؛ بل خروجًا من فكرة الانتظار، أن تقول دولةٌ اعتاد العالم اختصار اقتصادها في النفط، سنبني اقتصادًا أوسع من البئر. وأن تنظر إلى الصحراء فلا ترى فراغها، وإلى البحر فلا ترى الساحل فقط، وإلى الإنسان السعودي فلا تسأله: ماذا تحتاج؟ بل ماذا تستطيع أن تصنع؟.
وفي عام 2026 دخلت رؤية السعودية 2030 مرحلتها الثالثة، بعد مرحلتي التأسيس وتسريع الأثر، فيما باتت الأنشطة غير النفطية تمثل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي وفق تقرير الرؤية لعام 2025. لكن الأرقام، مهما كبرت، تبقى باردة؛ أما التحول الحقيقي، فتراه في الإنسان حين ينتقل من انتظار المستقبل إلى المشاركة في صناعته.
وهنا أعود إلى المؤسس. لو مرّ عبدالعزيز اليوم بشوارع الرياض، لوجد مدينةً تجاوزت أكثر أحلام زمنه جرأة، وأبناءً وبناتٍ يحملون المملكة إلى ميادين لم تكن معروفة يوم حمل رجاله البنادق فوق ظهور الخيل. لكنني أظن أن شيئًا آخر كان سيعنيه أكثر: أن الراية ما زالت في اليد.
فالمدن تكبر، والأبراج ترتفع، والاقتصادات تتضاعف؛ لكن أعظم انتصارٍ لأي مؤسس أن يبقى الوطن بعده متماسكًا، وأن تستمر الفكرة التي قاتل من أجلها أكبر من عمر صاحبها. ولهذا لا أرى اليوم الوطني حفلة ميلاد لوطن؛ فالأوطان العظيمة لا تكبر بالسنوات، تكبر بما تفعله بين عامٍ وعام.
والوطنية عندي ليست أن نرفع الراية فقط، بل أن نستحق الوقوف تحتها. أن يعرف الجندي أن المدن التي تنام خلفه لا تنسى العين التي بقيت مفتوحة عند حدودها، وأن يعرف المعلم أن دولةً كاملة قد تبدأ من حرفٍ يكتبه على سبورة، وأن يعرف الطبيب والمهندس والعامل والباحث وكل مواطن أن السعودية لا يحملها كتفٌ واحد، مهما كان قويًا.
فالدول لا يصنعها الذين يظهرون في الصورة وحدهم؛ تصنعها أيضًا الأكتاف التي تحمل إطارها من الخلف ولا يراها أحد.
وبين عبدالعزيز الذي جمع الأرض، وجيلٍ يجمع للمستقبل أسباب قوته، يمتد خيطٌ أخضر طويل، مرّ من أيدي الذين رحلوا حتى وصل إلينا. وهنا تصبح المسؤولية أثقل من الاحتفال؛ فالوطن الذي دفع السابقون أعمارهم حتى يصل إلينا، لا يليق بنا أن نسلّمه لأبنائنا كما استلمناه. يجب أن نسلّمه إليهم أكبر؛ أقوى، أعلم، وأكثر قدرةً على أن يقرر مصيره بيده.
وفي يومنا الوطني السادس والتسعين، لا أخشى على السعودية من عالمٍ يتغير؛ فقد وُلدت أصلًا من فكرةٍ بدت يومًا أكبر من الممكن، ولا أخشى عليها من العواصف؛ فالراية التي حملها رجالٌ فوق رمال التأسيس لن تربكها رياح الطريق.
هذه السعودية؛ بدأت يوم رأى رجلٌ دولةً لم تكن على الخريطة، واليوم لا تنتظر مكانها في التاريخ، ولا تطلب من أحدٍ أن يرسمه لها؛ ترسمه بيدها.
وكلما انتهت خريطة، بدأت السعودية ترسم أخرى.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

