Site icon مجلة شبابيك العالمية

الهنوف والدرس الذي بقي في القلب.

الكاتبة : أنيسة مجاهد.

كانت الهنوف في الثامنة من عمرها، طفلة صغيرة في سنواتها، لكنها أكبر من سنها في الفطنة والانتباه. كانت تلتقط الكلمات سريعًا، وتفهم ما وراءها، وتشعر بما قد لا ينتبه إليه الآخرون.

في إحدى الليالي، ذهب والداها إلى حفل زفاف لأحد الأقارب. وكما جرت العادة، لم يصطحبا الأطفال معهما، فتركا أبناءهما في المنزل، وكانت الأخت الكبرى، ذات الثمانية عشر عامًا، ومعها أخوها ذو الخمسة عشر عامًا، مسؤولين عن رعاية الهنوف وإخوتها الصغار حتى عودتهما.

مرت بداية المساء عادية وهادئة.

لكن شيئًا من عبث المراهقين بدأ يتسلل إلى الأجواء.

قرر الأخ والأخت الأكبران أن يمزحا مع الهنوف، دون أن يدركا أن بعض المزاح قد يصبح ثقيلًا على قلب طفل.

قال أحدهما لها:

— أنتِ أصلًا لستِ أختنا.

اتسعت عينا الهنوف وهي تنظر إليهما.

ثم أضاف الآخر، وقد بدا مستمتعًا بالمزحة:

— نعم، وجدناكِ في الشارع، وأبي وأمي أخذاكِ وربياكِ معنا.

نظرت إليهما الهنوف باعتراض واضح.

— أنتما تكذبان!

لكن كليهما أصرا على القصة.

كلما أنكرت، أكدا.

وكلما ظهرت الحيرة على وجهها، ضحكا أكثر.

شيئًا فشيئًا بدأت الدموع تملأ عينيها.

بالنسبة إليهما كانت مزحة.

أما بالنسبة إليها، فقد كانت الكلمات تقترب من أعمق شعور يعرفه الطفل: شعوره بأنه ينتمي إلى أسرته.

بكت.

اعترضت.

حاولت أن تجعلهما يتوقفان.

لكن الضحك استمر.

وفي لحظة، تغير شيء داخل الهنوف.

ربما لم تستطع وهي في الثامنة من عمرها أن تفسر ما شعرت به، لكنها فهمت أمرًا واحدًا بوضوح:

إنهما يعرفان أن كلامهما يؤذيها، ومع ذلك يواصلان.

مسحت دموعها، ونظرت إليهما وقالت:

— إذا كنتُ لستُ أختكما فعلًا، فلن أبقى هنا. سأذهب.

لم يصدق أحدًا أنها تعني ما تقول.

لكن الهنوف استدارت فجأة، وانطلقت نحو الباب، وخرجت من المنزل مسرعة قبل أن ينتبها إلى ما فعلت.

كان البيت من دور واحد، وله حديقة صغيرة، ولذلك لم تحتاج إلا لحظات حتى تصبح خارج أنظارهما.

عندما أدركا أنها خرجت بالفعل، تبدلت الضحكات سريعًا.

ركضا خلفها.

— الهنوف!

— ارجعي!

— كنا نمزح!

لكن الهنوف لم تذهب بعيدًا.

كانت تعرف أن خروجها بعيدًا عن المنزل خطر، لذلك اختارت سيارة متوقفة في مكان مظلم وقريب، واختبأت خلف أحد إطاراتها بطريقة لا تظهر معها قدماها لمن يمر بالقرب منها.

جلست هناك في صمت.

لا تزال دموعها على وجهها، لكنها كانت تعرف لماذا اختبأت.

أرادت أن يعرفا للحظات ماذا يعني الخوف الحقيقي.

ومن مكانها، أخذت تراقبهما.

في البداية بحثا حول المنزل.

ثم بين السيارات.

ثم في أطراف الشارع.

وأخذا يناديان عليها مرة بعد مرة.

— الهنوف!

— اطلعي!

— والله كنا نمزح!

لكنها بقيت ساكنة.

مرت دقائق قليلة، لكنها بدت لهما طويلة جدًا.

بدأ القلق يظهر في أصواتهما.

ثم تحول القلق إلى خوف.

ثم تحول الخوف إلى شيء أقرب إلى الرعب.

أين ذهبت طفلة في الثامنة من عمرها؟

ماذا لو ابتعدت؟

ماذا لو حدث لها شيء؟

ماذا لو قابلها شخص غريب؟

وماذا سيقولان لوالديهما عندما يعودان؟

كان والدهما شديد الحزم والصرامة، ولم يكن يتهاون مع الأخطاء الكبيرة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمسؤولية أو أمانة.

وكانت الهنوف تلك الليلة أمانة في أعناقهما.

وفجأة شعر الإثنان أنهما أضاعاها.

راحا يبحثان عنها بجنون.

اختفى الضحك تمامًا.

حل مكانه الندم.

كانا يتوسلان إليها أن تظهر، ويكرران أنهما لم يقصدا، وأنهما كانا يمزحان فقط.

أما الهنوف، فكانت تراقبهما من مخبئها.

وكانت ترى أمامها لأول مرة كيف يمكن لابتسامة عابثة أن تتحول إلى وجه شاحب من الخوف.

وكيف يمكن لكلمة قيلت بلا حساب أن تعود على صاحبها بثقل لم يتوقعه.

اقترب موعد عودة الوالدين.

وازداد خوف الأخوين أكثر.

أما الهنوف، فكانت تعرف أن الوقت قد حان لتنهي الدرس.

خرجت أخيرًا من خلف السيارة.

توقفت أمامهما.

للحظات، لم يقولا شيئًا.

بدت الصدمة على وجهيهما.

ثم حل مكانها ارتياح كبير لا يوصف.

كانت بخير.

كانت قريبة طوال الوقت.

وكانت تراقبهما.

في تلك الليلة لم تكن الهنوف وحدها من تعلم.

فهي أدركت أن خروجها واختباءها، رغم ذكائها، كان يمكن أن يكون خطرًا عليها.

أما أخواها، فقد تعلما أن الطفل ليس مساحة آمنة للمزاح القاسي، وأن الكلمات قد تخيفه أكثر مما نتصور.

مرت السنوات.

وكبرت الهنوف.

وكبر إخوتها معها.

وتغيرت أشياء كثيرة في الحياة.

لكن تلك الليلة بقيت في مكان ما من الذاكرة.

والغريب أن الأخ والأخت اللذين أخافاها يومًا بفكرة أنها ليست منهما، أصبحا بعد ذلك من أكثر الناس قربًا منها، ومن أشدهم خوفًا عليها.

مرت السنين، وتقدمت الأعمار، لكن حرصهما عليها لم يتغير.

بل ربما ازداد.

أصبح أي سوء قد يصيبها يقلقهما.

وأصبح خوفهما عليها أكبر من ذلك الخوف الذي عاشاه في ليلة الطفولة القديمة.

وكأن تلك الليلة تركت في داخلهما شعورًا خفيًا لم يغادرهما تمامًا:

ألا تضيع الهنوف منهما مرة أخرى.

أما هي، فقد أصبحت تحبهما حبًا كبيرًا.

لم تحمل تلك الحادثة في قلبها كجرح بين إخوة، بل بقيت ذكرى قديمة، فيها شيء من الألم، وشيء من الطرافة، وشيء أكبر من الإثنين معًا: “المحبة”.

فبعض الحوادث لا نعرف معناها الحقيقي حين تقع.

لا نفهمها إلا بعد أن تمر السنوات.

ويومها قال لها أخواها ضاحكين:

— أنتِ لستِ منا.

لكن الحياة أجابت بعد ذلك بطريقتها.

فقد أصبحا من أحب الناس إليها، وأصبحت هي من أغلى الناس عليهما.

وكأن تلك المزحة الطفولية، التي كادت أن تصنع خوفًا كبيرًا، انتهت مع الزمن إلى حقيقة أجمل:

أن الإنتماء لا تثبته الكلمات، بل تثبته “المحبة” التي تبقى حين يكبر الجميع.

وربما لهذا بقيت تلك الليلة في ذاكرتهم جميعًا…

لأن الخوف مر سريعًا،

أما “المحبة”، فبقيت.

• قصة قصيرة مستوحاة من أحداث حقيقية.


المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه

تويتر : https://twitter.com/shababeks_1

سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1

انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag

قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag

لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

Exit mobile version