Site icon مجلة شبابيك العالمية

وتمضي الرحلة من جاهزية العمل إلى نضج المؤسسة.

الكاتبة : فاطمة صالح الغامدي.

وتمضي الرحلة بخطى لا تقيس المسافة بما قطعته من طريق، بل بما أحدثته من أثر وما راكمته من معرفة وما أسسته من قدرة مؤسسية أكثر نضجًا وكفاءة واستدامة. فالمؤسسات التي تعرف قيمة رسالتها لا تتوقف عند محطة، ولا تنظر إلى الإنجاز باعتباره نهاية للمسار، وإنما تجعله بداية لمرحلة أعلى من البناء؛ تنتقل فيها من إنجاز العمل إلى إحكامه، ومن إحكامه إلى تطويره، ومن تطويره إلى صناعة أثر يبقى ويتسع.

في مقالات سابقة تحدثنا عن الجاهزية التشغيلية بوصفها إحدى الركائز الرئيسة في بناء جهات عمل قادرة على أداء مسؤولياتها بكفاءة. فالجاهزية تبدأ من معرفة الواقع كما هو، وقياس القدرة المؤسسية ورصد الفجوات واختبار كفاءة العمليات، وبناء القرار على البيانات والشواهد بعيدًا عن الانطباعات. غير أنها ليست غاية في ذاتها وإنما نقطة الانطلاق في رحلة أوسع نحو النضج المؤسسي.

فالقيمة الحقيقية للقياس لا تكمن في معرفة النتيجة بل فيما تصنعه المؤسسة بهذه المعرفة وحين تنتقل نتائج التشخيص من التقارير إلى خطط المعالجة وتتحول المعالجة إلى تحسين ويصبح التحسين ممارسة قابلة للقياس والتطوير تكون المؤسسة قد تجاوزت معرفة واقعها إلى التعلم منه وصناعة مستقبلها انطلاقًا منه.

وهنا يظهر أحد أهم الفوارق بين المؤسسات فهناك مؤسسة تمتلك الخبرة وأخرى تدير الخبرة وتستثمرها وقد تتوافر الكفاءات والتجارب الناجحة والحلول المبتكرة لكنها تظل مرتبطة بأصحابها. أما المؤسسة الناضجة فتلتقط هذه الخبرات وتحللها وتوثقها وتنقلها حتى تصبح جزءًا من ذاكرتها التنظيمية ورصيدها المعرفي.

فالخبرة التي تبقى في عقل صاحبها مهما بلغت قيمتها، تظل خبرة فردية أما حين تتحول إلى ممارسة موثقة قابلة للنقل والتطبيق والقياس فإنها تصبح رأس مال مؤسسيًا. وهنا تتأسس قاعدة جوهرية في استدامة العمل ما تعرفه المؤسسة ينبغي ألا يرحل برحيل من يعرفه وما تنجح فيه جهة ينبغي ألا يبقى حبيس حدودها، وما يثبت نجاحه لا ينبغي أن يُعاد اكتشافه كل مرة من نقطة الصفر.

في حين إن إدارة المعرفة ليست ترفًا تنظيميًا، بل أحد وجوه الكفاءة وحسن استثمار الموارد. فقد يوجد الحل في إدارة بينما تبحث عنه إدارة أخرى وقد تنجح ممارسة في موقع فيما تتكرر المشكلة ذاتها في موقع آخر. عندها لا تكون المؤسسة فقيرة في الخبرة وإنما في قدرتها على اكتشاف خبرتها وحفظها وتحويلها إلى أصل مؤسسي مستدام.

والمعرفة المؤسسية لا تُبنى خلف المكاتب وحدها فالميدان يظل الاختبار الحقيقي لكفاءة الأنظمة والإجراءات وفيه تظهر المسافة بين ما خُطط له وما نُفذ كما تظهر تجارب تستحق أن تتحول إلى نماذج قابلة للنقل والتعميم. ولذلك تصبح المتابعة الميدانية أداة لفهم الواقع وقياس الجاهزية ورصد فرص التحسين واكتشاف الممارسات الجديرة بالاستفادة.

وفي هذا المستوى من النضج تتغير نظرة المؤسسة إلى الفجوات والملاحظات؛ فلا يصبح القصور حكمًا نهائيًا على الأداء، بل معلومة تقود إلى التحسين. فالمؤسسات الواثقة لا تخشى أن ترى فجواتها، لأنها تدرك أن القراءة الدقيقة للواقع هي أول درجات السيطرة عليه، وأن الملاحظة التي تُقرأ جيدًا قد تكون بداية تحول.

ومن هنا ينتقل العمل من ثقافة رصد الملاحظات إلى ثقافة صناعة التحسين؛ تُحلل الأسباب، وتُبنى المعالجات، وتُنفذ الإجراءات، ثم تعود المؤسسة إلى القياس للتحقق من مقدار التغير. فالعمل المؤسسي لا يقاس بكثرة المبادرات والاجتماعات والتقارير، وإنما بما أحدثته من تحسن ملموس في الكفاءة والجودة والخدمة والأثر.

وهذا هو الفارق بين إنجاز النشاط وصناعة الأثر.
فالتحول المؤسسي الحقيقي لا تصنعه كثرة المشروعات والمسميات وإنما يحدث عندما يتغير وعي المؤسسة بذاتها وطريقة إدارتها لمعرفة منسوبيها وتجاربها؛ فتقرأ واقعها، وتحفظ معرفتها، وتقيس أثرها، وتبني على ما تعلمته، فلا تسمح للنجاحات أن تكون عابرة ولا للخبرات أن تضيع.

وفي زمن تتسارع فيه التحولات لن تكون المؤسسات الأكثر استعدادًا للمستقبل هي الأكثر امتلاكًا للموارد فحسب بل الأكثر قدرة على التعلم والأسرع في تحويل المعرفة إلى قدرة والقدرة إلى ممارسة، والممارسة إلى أثر مستدام.

وهكذا تمضي الرحلة من جاهزية تقرأ الواقع، إلى معرفة تحفظ التجربة إلى تحسين يصنع الفرق وصولًا إلى مؤسسة لا تكتفي بأن تنجز، بل تعرف كيف تجعل إنجازها قابلًا للبقاء وخبرتها قابلة للانتقال ومعرفتها قابلة للتراكم وأثرها ممتدًا إلى ما بعد اللحظة.

فتلك هي المؤسسات التي لا تمر بها التجارب عبورًا بل تستبقي منها المعرفة وتبني بها القدرة وتصنع منها مستقبلًا أكثر نضجًا وكفاءة وأبعد أثرًا.


المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه

تويتر : https://twitter.com/shababeks_1

سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1

انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag

قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag

لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

Exit mobile version