الكاتب : عبدالله بن عبيد اليوبي.
لا تبدأ حياة الإنسان حين يفتح عينيه على العالم فحسب، فثمة حياة أخرى تبدأ حين يفتح عقله على السؤال. قد يعيش الإنسان أعوامًا طويلة يرى الأشياء من حوله، ويعتاد وجودها، ويمر بها كما لو كانت بديهيات لا تستحق التأمل، ثم يأتي سؤال واحد: لماذا؟ فيتغير كل شيء. وكأن السؤال لا يمنحنا معرفةً جديدة فقط، بل يوقظ فينا عقلًا كان حاضرًا دون أن يكون يقظًا.
ومن هنا تصبح المعرفة أكثر من تراكمٍ للأجوبة؛ لأنها في أصلها قدرة على الدهشة. فالطفل لا يدخل عالم المعرفة حين نحشو ذاكرته بالمعلومات، وإنما حين يبدأ بالسؤال عن أسباب الأشياء. والسؤال الصادق ليس إعلانًا عن الجهل بقدر ما هو اعتراف بأن وراء المألوف حقيقةً لم نصل إليها بعد.
لكن العقل، مهما اتسعت قدرته، يظل يسير داخل حدود الإنسان. يستطيع أن ينظر في الكون، وأن يتأمل انتظامه، وأن يبحث عن الأسباب والعلل، وأن ينتقل من الأثر إلى المؤثر، ومن النظام إلى من أوجده، لكنه لا يستطيع أن يجعل محدوديته طريقًا إلى الإحاطة بكل شيء.
ولهذا لا يكون الإيمان إلغاءً للعقل، كما لا يكون العقل استغناءً عن الايمان. فالعقل الذي يرفض السؤال يتحول إلى تقليد، والعقل الذي يظن أنه قادر على الإحاطة بكل شيء يتحول إلى غرور. وبين التقليد والغرور يقف الإنسان العاقل؛ يسأل حيث ينبغي السؤال، ويبحث حيث يستطيع البحث، ويسلّم حين يبلغ الحد الذي تنتهي عنده أدواته ويقوم فيه الدليل.
ولعل أجمل ما في الإنسان أنه الكائن الذي لا يكتفي بأن يكون موجودًا، بل يسأل عن معنى وجوده. فالحياة وحدها لا تكفي؛ قد يكون الإنسان حيًّا بجسده، يأكل وينام ويمضي في أيامه، لكنه لا يصبح حيًّا بالمعنى الأعمق إلا حين تستيقظ فيه الدهشة، ويبدأ في النظر إلى ما حوله كما لو أنه يراه للمرة الأولى.
عندها يصبح السؤال ولادةً ثانية للعقل.
فالإنسان لا يولد معرفيًا حين يجد أول جواب، بل ربما يولد في اللحظة التي يستطيع فيها أن يقول بصدق: لماذا؟
ومن تلك الـ “لماذا” الصغيرة تبدأ رحلة طويلة؛ من مشاهدة الأشياء إلى البحث عن أسبابها، ومن معرفة العالم إلى معرفة الذات، ومن السؤال عن الحياة إلى السؤال عن خالق الحياة.
ولعل الحكمة ليست في أن نجد جوابًا لكل سؤال، وإنما في أن نعرف أي الأسئلة تقودنا إلى الحقيقة، وأيها ليست إلا دورانًا حول أنفسنا. فليس كل سؤال دليلًا على يقظة العقل، كما أن ليس كل يقين دليلًا على المعرفة؛ وإنما يقظة العقل الحقيقية أن يعرف الإنسان متى يسأل، وكيف يبحث، ومتى يكون التسليم بعد قيام البرهان صورةً من صور المعرفة، لا نقيضًا لها.
وهكذا لا يكون السؤال خصمًا للإيمان، بل قد يكون أحد الطرق إليه؛ لأن الإنسان حين يسأل بصدق لا يهرب من الحقيقة، وإنما يبحث عنها. وربما كانت أعظم يقظة يبلغها العقل هي أن يكتشف، بعد رحلة طويلة من السؤال، أن الحقيقة أكبر منه، لكنه مع ذلك خُلق قادرًا على أن يهتدي إليها.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

