Site icon مجلة شبابيك العالمية

هل اللامبالاة اختيارٌ واعٍ أم قسوةٌ مقنّعة؟

الكاتب : عبدالله بن عبيد اليوبي.

ليس كل من خالف الناس حرًّا، وليس كل من رفض المجاملة صادقًا، كما أن الصدق لا يعني أن يقول الإنسان كل ما يشعر به دون أن يسأل نفسه: ماذا ستفعل كلماته في الآخرين؟ وبين الصدق والقسوة مسافة دقيقة، قد يعبرها الإنسان وهو يظن أنه يدافع عن الحقيقة، فإذا به لا يدافع إلا عن بروده تجاه العالم.

أحيانًا لا نريد أن نمثل الدور الذي كتبه المجتمع لنا، حتى لو كان صمتنا أو الحقيقة التي نقولها أكثر قسوة من الكذب الجميل.

إلا أننا، من هذه الزاوية، يمكن النظر إلينا بوصفنا واقعيين متطرفين؛ نجرّد الحياة من المجاملات، ونرفض أن نرتدي المشاعر كما يرتدي الناس ثياب المناسبات. فلا نقول: نحب، لأنه ينبغي لنا أن نحب، ولا نقول: نحزن، لأن الآخرين ينتظرون منا الحزن. وكأن الصدق عندنا ليس فضيلةً نختارها، بل قانونًا صارمًا لا يسمح لنا بأن نضيف إلى شعورنا شيئًا ليس فيه.

لكن هنا تكمن الإشكالية، والسؤال الأعمق ليس: هل نحن صادقون؟ بل: هل يكفي الصدق وحده ليكون الإنسان إنسانًا؟

فنحن لا نعيش فرادى، ولا تتحرك كلماتنا في فراغ. قد نزور مريضًا ولا نشعر بألمه، لكننا نواسيه. وقد نفقد شخصًا لا تربطنا به عاطفة، فنحزن لحزن أهله. وقد نقول لصديق منكسر كلمة رجاء، لا لأننا نعرف أن الغد سيكون أجمل، بل لأننا نعرف أن الإنسان، في لحظة ضعفه، يحتاج إلى يدٍ تسنده أكثر مما يحتاج إلى حقيقة باردة تُلقى أمامه.

وهنا لا تكون المجاملة دائمًا كذبًا، بل قد تكون صورةً من صور الرحمة. فالإنسان لا يُقاس فقط بصدق ما يشعر به، وإنما أيضًا بقدرته على إدراك ما يشعر به الآخرون. والتعاطف لا يعني أن أتألم بالألم نفسه، بل أن أعرف أن أمامي إنسانًا يتألم، وأن أتعامل مع ألمه كما أحب أن يتعامل الآخرون مع ألمي.

لهذا تصبح شخصياتنا، كبشر، أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه. فنحن لا نكذب على المجتمع، لكننا، في الوقت نفسه، قد لا نمنحه كثيرًا مما يجعل العلاقات الإنسانية ممكنة. لقد رفضنا الأقنعة، لكننا كدنا أن نرفض معها بعض الجسور التي تصل الإنسان بالإنسان.

ولعل المشكلة تبدأ حين يتحول الصدق من فضيلة أخلاقية إلى أنانية شعورية؛ حين يقول الإنسان: “أنا هكذا، وهذا ما أشعر به”، وكأن مشاعره هي الحقيقة الوحيدة الموجودة في العالم. فالصدق الذي لا يرى الآخر قد يتحول إلى قسوة، والصراحة التي لا تعرف الرحمة قد تصبح نوعًا مهذبًا من الأذى.

وهنا يظهر السؤال الذي يتجاوز حدود الصدق والكذب إلى معنى الإنسان نفسه: هل اللامبالاة تحررٌ من نفاق المجتمع، أم أنها عجزٌ عن الارتباط بالحياة؟ وهل الإنسان الذي لا يبكي حين ينتظر الآخرون منه البكاء أكثر صدقًا منهم، أم أنه فقد شيئًا لا تستطيع الفلسفة أن تعوضه؟

ربما لا تكمن الحكمة في أن نتحول إلى ممثلين نجيد ارتداء المشاعر التي يريدها المجتمع، وإنما في منطقة أكثر إنسانية بين الاثنين: أن نكون صادقين دون أن نكون قساة، وأن نجامل دون أن نكون منافقين، وأن نحترم مشاعرنا دون أن نجعلها مركز الكون.

فالإنسان لا يصبح حرًّا لمجرد أنه توقف عن الاكتراث بالآخرين، كما أنه لا يصبح صادقًا لمجرد أنه قال كل ما دار في نفسه. بعض الكلمات التي نمتنع عن قولها ليست كذبًا، وبعض الكلمات الطيبة التي نقولها ليست نفاقًا؛ لأن الأخلاق لا تسأل فقط: هل ما قلته حقيقي؟ بل تسأل أيضًا: لماذا قلته، وماذا صنعت به في قلب إنسان آخر؟

ولعل المأساة ليست أننا كنا غرباء عن المجتمع فحسب، بل أننا أصبحنا غرباء عن تلك المساحة الخفية التي تجعل البشر، رغم اختلافهم، يشعرون بأن آلام الآخرين تعنيهم.

فليس أخطر ما قد يصيب الإنسان أن يكذب على العالم، بل أن يصدق مع نفسه إلى درجةٍ لا يعود معها يرى أحدًا سواها.


المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه

تويتر : https://twitter.com/shababeks_1

سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1

انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag

قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag

لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

Exit mobile version