الكاتب : عبدالله بن عبيد اليوبي.
ليس كل يقينٍ دليلًا على المعرفة، فبعض اليقين يولد من ضيق الرؤية لا من اتساعها. فالإنسان لا يوقن دائمًا لأنه بلغ الحقيقة، بل قد يوقن لأنه لم يرَ غيرها، أو لأنه لم يجرؤ يومًا على مساءلة ما ورثه أو اعتاده. ولهذا كان أخطر أنواع الجهل ذلك الذي يظن نفسه علمًا، لأنه يغلق باب السؤال قبل أن يُفتح، ويحسب نهاية الطريق عند أول منعطف.
ولذلك فإن المعرفة الحقيقية لا تمنح الإنسان يقينًا جامدًا، بل تمنحه تواضعًا عقليًا. فكل حقيقة يكتشفها تكشف له وراءها آفاقًا جديدة من الأسئلة، وكل باب يفتحه يقوده إلى أبوابٍ لم يكن يعلم بوجودها. ولهذا لا يكبر العالم بعدد ما يعرف، بل بعدد ما أدرك أنه لا يعرفه.
إن اهتزاز اليقين ليس دائمًا علامة ضياع، بل قد يكون بداية النضج. فالعقل الذي لا تهتز يقيناته أبدًا، هو عقلٌ توقف عن التعلم، أما العقل الذي يراجع نفسه، ويعيد فحص أفكاره، فهو عقلٌ لا يخشى الحقيقة، بل يخشى أن يستبدلها بالوهم.
ولهذا فإن الحضارات لم تتقدم لأن الناس كانوا واثقين من كل ما يؤمنون به، بل لأنها امتلكت الشجاعة لتراجع مسلماتها، وتختبر أفكارها، وتفرّق بين ما ثبت بالدليل، وما استقر بالعادة، وما فرضته الألفة حتى بدا وكأنه حقيقة لا تقبل النقاش.
ومع ذلك، فإن الشك ليس غاية في ذاته، كما أن اليقين ليس فضيلة في ذاته. فالشك الذي لا يقود إلى بحث يتحول إلى تيه، واليقين الذي لا يقوم على برهان يتحول إلى تعصب. أما الحكمة، فهي أن يعرف الإنسان متى يشك، ولماذا يشك، ومتى يطمئن إلى ما قام عليه الدليل.
وربما كانت أعظم لحظة في رحلة المعرفة، ليست حين يجد الإنسان جوابًا جديدًا، بل حين يكتشف أن سؤالًا واحدًا صادقًا قد هدم في داخله أوهامًا عاش معها سنوات. فالحقيقة لا تهين العقل حين تنقض يقينًا قديمًا، وإنما تحرره من سجن ظن أنه كان يسكن الحقيقة، فإذا به لم يكن يسكن إلا صورةً رسمها لنفسه عن الحقيقة.
غير أن مراجعة الإنسان لأفكاره لا تعني أن يجعل كل شيء موضع شك، فليس الشك فضيلةً في ذاته، كما أن اليقين ليس فضيلةً في ذاته، وإنما الفضيلة أن يكون كلٌّ منهما في موضعه. فهناك حقائق ثبتت بالدليل القطعي من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذه لا مجال للجدال فيها، ويكون كمال العقل في التسليم لها بعد قيام البرهان. أما العقل، فليس مأمورًا أن يشك في كل شيء، وإنما أن يميّز بين ما ثبت بالدليل، وما لم يقم عليه دليل.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

