الكاتب : عبدالله بن عبيد اليوبي.
ليس الاختلاف عيبًا يطعن في قيمة العلم، كما يتصور بعض الناس، بل قد يكون في كثير من الأحيان دليلًا على أن العقل ما زال يعمل، وأن الحقيقة من الاتساع بحيث تسمح لأكثر من طريقٍ في الاقتراب منها. فحين يتوقف السؤال، ويتحول كل شيء إلى يقينٍ جامد، لا يكون الفكر قد بلغ كماله، بل قد يكون فقد قدرته على النمو.
وليس المفكرون يختلفون لأنهم يكرهون الحقيقة، بل لأنهم يحبونها. وكل واحدٍ منهم ينظر إليها من زاوية، ويزن الأدلة بميزانٍ قد يختلف في دقته أو في منهجه أو في ترتيب أولوياته. فالاختلاف في كثير من الأحيان ليس صراعًا بين حقٍ وباطل، بل هو حوارٌ بين عقولٍ تبحث عن الحق من مسالك متعددة.
ولو كانت كل المسائل من الوضوح بحيث لا تحتمل إلا رأيًا واحدًا، لما احتاج الإنسان إلى الاجتهاد أصلًا. ولكن الحياة أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في جوابٍ واحد، والنصوص أوسع من أن تُقرأ دائمًا بالمنظار نفسه، والواقع يتغير، فتتغير معه الأسئلة التي يطرحها الإنسان على المعرفة.
ومع ذلك، فليس كل اختلافٍ فضيلة. فهناك اختلافٌ يثري الفكر لأنه يقوم على الدليل، واحترام المنهج، والإخلاص للحقيقة، وهناك اختلافٌ آخر لا يزيد إلا الضجيج، لأنه يقوم على الهوى، أو التعصب، أو الرغبة في الانتصار للنفس قبل الانتصار للفكرة. فالعبرة ليست بوجود الاختلاف، بل بالكيفية التي يُدار بها.
ولهذا فإن الحضارات لم تتقدم لأنها ألغت الاختلاف، وإنما لأنها تعلمت كيف تحوله إلى وسيلةٍ لاكتشاف جوانب جديدة من الحقيقة. فالعقل حين يحاور عقلًا آخر لا يفقد شيئًا من قيمته، بل يكتشف حدوده، ويصحح أخطاءه، ويتواضع أمام ما لم يكن يراه.
ومن المنظور الإسلامي، لم يكن اختلاف المجتهدين في المسائل الاجتهادية دليلًا على اضطراب الدين، بل على رحابة الشريعة وقدرتها على استيعاب تنوع الوقائع والأفهام. فقد كانوا يدركون أن النص الثابت قد تتعدد وجوه فهمه فيما يسوغ فيه الاجتهاد، وأن المجتهد الصادق مأجورٌ إن أصاب، ومأجورٌ على اجتهاده إن أخطأ، ما دام قد بذل وسعه في طلب الحق.
ولعل الحكمة الأعمق أن الحقيقة تزداد وضوحًا بالحوار، أما الوهم فلا يعيش إلا في غياب الحوار. أما المفكر الواثق من منهجه، فلا يرى في اختلاف غيره تهديدًا، بل فرصةً لمراجعة نفسه، لأن غاية العلم ليست أن ينتصر صاحبه، بل أن يقترب الجميع من الحقيقة، وإن بقيت الحقيقة الكاملة فوق إدراك البشر؛ فالعلم يزداد اتساعًا كلما ازداد الإنسان تواضعًا، ويبقى الكمال لله وحده.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

