الكاتبة : منى السويدان.
في الكوزموس… لا شيء يولد صدفة.
الكون في أصله ليس سكونًا، بل اتساعٌ صامت يحتضن الفوضى، ويعيد غزل الظلمة حتى تُنجب الوجود. في أعماقه تعمل قوانين لا تُرى بالعين؛ جاذبيةٌ تجمع الشتات، وضغطٌ يصهر الفوضى، وزمنٌ يعرف أن أعظم الولادات لا تُستعجل.
ومن رحم هذا الكوزموس… يولد النجم.
لا يسطع لأنه استعجل الإشراق، بل لأنه أمضى ملايين السنين في قلب سديمٍ بارد، يتكثف بصمت، ويحتمل ضغط الجاذبية حتى اشتعلت الحياة في أعماقه.
لم يولد من ومضة… بل من صبرٍ كونيٍّ طويل.
النجم لا يتعلّم الإضاءة… بل يتعلّم الصبر، حتى تصبح الإضاءة نتيجةً لا هدفًا.
وفي الكوزموس، لا تصنع النجوم النار… بل يصنعها الصبر.
والجاذبية لم تكن تجمع الغبار… كانت تجمع المصير.
لذلك لا يكون النجم نورًا فحسب… بل شهادةً على أن الأشياء العظيمة لا تُخلق دفعةً واحدة.
وهكذا تمامًا… يولد الحب العظيم.
الحب لا ينبثق من طفرة شغف، ولا يلمع في خاطرةٍ عابرة. يبدأ كسديمٍ غامض في أعماق الروح، لا يرى فيه العابرون سوى ضباب، بينما يعمل الزمن بصمت… يجمع القلوب كما تجمع الجاذبية ذرات الضوء، ويختبر الثبات أمام العواصف، ويصهر المعاني حتى تتعتق الأرواح.
وكل غيابٍ عجز عن اغتيال اللهفة، وكل موقف وفاءٍ انتصر على الخوف، يضيف ذرةً جديدة إلى قلب ذلك السديم… حتى يأتي اليوم الذي يشتعل فيه الحب من داخله.
فالحب العظيم لا يختار القلوب المستعجلة… بل القلوب الشجاعة، والأرواح الوفية التي تعرف أن بعض اللقاءات لا تنضج إلا إذا تُركت لزمنها.
هناك أرواحٌ تكتفي سنواتٍ كاملة بنظرةٍ تختصر العمر، أو كلمةٍ حنونة تُبقي الرجاء حيًّا، أو حضورٍ بعيدٍ لا تملك منه إلا يقينها. لا تستعجل الاعتراف، ولا تساوم على المعنى، لأنها تدرك أن ما يُولد قبل أوانه… لا يكتمل.
وكما يتعتّق الضوء في قلب النجم قبل أن يفيض على السماء، تتعتّق المحبة في القلوب الشجاعة، حتى يصبح الصبر لغةً، والانتظار عبادةً، والوفاء طبيعةً لا تُكلّف صاحبها شيئًا. فالأرواح التي خُلقت لتلتقي، تعرف كيف تعيش زمنها الجميل ،تكتفي أحيانًا بنظرة، أو بابتسامة، أو بكلمةٍ حنونة، أو بأملٍ صغير، لأيامٍ وشهور… وربما لسنوات، حتى تنضج المشاعر كما ينضج الضوء في قلب النجم.
ثم يأتي اليوم الذي لا يولد فيه الحب… بل ينكشف. كأنه كان موجودًا منذ البدء، يختبئ خلف الزمن، حتى أذن له الوجود أن يظهر. فتسطع الأرواح في سماء العشاق، لا لأنها وجدت الحب أخيرًا… بل لأنها صبرت حتى أصبحت جديرةً بنوره.عندها… لا يعود مجرد خفقة قلب، ولا عاطفةً تمر مع الفصول، بل يصبح نجمًا…لا لأن عمره لا ينتهي، بل لأن أثره يبقى يسافر في الأرواح، كما يسافر ضوء النجوم عبر الكون طويلًا، حتى بعد أن تغيب عن العيون.
وربما لهذا… لا أشعر أن الحب اختراعٌ بشري.
فكل شيءٍ حقيقي… وجدته الطبيعة قبلنا.
فالكون لم يُخلق ليكون منظرًا نحدق فيه… بل كتابًا مفتوحًا لمن يعرف كيف يقرأ.
النجوم تُعلّمنا أن النور يحتاج إلى زمن.
والبحر يُعلّمنا أن العمق لا يصرخ.
والجبل يُعلّمنا أن الثبات لا يحتاج إلى ضجيج.
والنهر يُعلّمنا أن الحياة ليست أن تقاوم التغيّر… بل أن تعرف كيف تستمر.
والشجرة تُعلّمنا أن الجذور التي لا تُرى… هي التي تحمل الأغصان التي يراها الجميع.
والريح تُعلّمنا أن أكثر القوى تأثيرًا… هي التي لا تُرى.
كل شيءٍ في هذا الوجود يتحدث…لكن بلغته.
فالكون يتحدث بالجاذبية. والبحر يتحدث بالأمواج.
والجبال تتحدث بالصمت. والأشجار تتحدث بالجذور.
والنجوم تتحدث بالنور. أما الإنسان… فخُلق ليترجم هذه اللغات إلى معنى.
لكننا انشغلنا بالكلمات…ونسينا اللغة التي كانت موجودة قبل أن تُخلق الكلمات.
لذلك… كلما تعمقتُ في الطبيعة، شعرتُ أنني لا أتعلم عنها…بل أتذكر شيئًا كانت روحي تعرفه منذ البداية.
كأن الكون لا يعلّمنا حقائق جديدة… بل يوقظ الحقائق النائمة في داخلنا. وحينها… لا يعود البحر ماءً، ولا الجبل صخرًا، ولا الشجرة خشبًا، ولا النجمة كرةً من نار…
بل تصبح كلها مرايا… تكشف للإنسان ما كان يجهله عن نفسه.
لا أبحث عن الحكمة في الكتب وحدها.
أبحث عنها في نجمٍ احتاج ملايين السنين ليضيء.
وفي بحرٍ لم يتعب من احتضان الأنهار.
وفي جبلٍ وقف آلاف القرون دون أن يرفع صوته.
وفي شجرةٍ تعرف أن أعظم ما فيها…مدفونٌ تحت التراب.
فالكون لا يشرح نفسه… بل يعكسنا.
ومن يفهم لغة الكون… لا يعود يرى الأشياء كما هي…
بل كما تشير إليه.وعندها فقط…
يدرك أن الوجود كله لم يكن يومًا صامتًا.
نحن فقط… لم نتعلم بعد كيف نصغي.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

