Site icon مجلة شبابيك العالمية

نهاية المسرحية… وبطلٌ أتقن دور الحب.

الكاتبة : منى السويدان.

أصعب ما قد يعيشه الإنسان… ليس أن يخسر شخصًا أحبّه،
بل أن يكتشف متأخرًا
أن حياته كلها كانت تُدار كمسرحية متقنة…
وأنه لم يكن بطل القصة كما ظن،
بل مجرد كومبارس
وُضع خلف البطل ليُكمل المشهد فقط.

تعيش سنوات تؤمن بالقصة،
تحب تفاصيلها، تحفظ الحوارات الصغيرة،
تصدق النظرات، وترى في كل موقف دليل حبٍ عظيم…

بينما الطرف الآخر كان فقط يتقن دوره بإبداع مرعب.

دور الحبيب.
دور الصديق.
دور الوفي.
دور السند الذي لا يميل.

وأنت… كنت تصفق للحب
بينما حياتك تُستنزف على خشبة وهم.

ثم يأتي صباح غريب… صباح بلا مقدمات،
تشعر فيه أن الستارة سقطت فجأة.

تنطفئ الإضاءة كلها دفعة واحدة،
ينهار المسرح أمام عينيك، وتنكشف الحقيقة الباردة:

أنك كنت مجرد دور ثانوي
في قصة بطلها شخصٌ لا يتوقف عرضه عند أحد.

فتقف وحدك وسط المسرح الفارغ،
مرتبكًا،
مصدومًا،
تحاول فهم أين اختفت كل تلك المشاعر التي أقسم أنها حقيقية.

لكن البطل…كان قد غادر منذ وقت طويل،
خلف آلاف الكومبارسات،
يستبدل الوجوه بسهولة،
ويعيد نفس الدور مع أرواح جديدة،
بنفس الكلمات،
بنفس الوعود،
بنفس الأداء المتقن.

أما أنت…فتبقى وحيدًا بعد انتهاء العرض،
تحمل داخلك انهيارًا لا يراه أحد.

تتخبط بين الشكوك،
والجنون،
والأسئلة التي تأكل الروح:

هل أحبني فعلًا؟
هل كان شيء واحد حقيقي؟
كيف استطاع أن ينام بسلام
بعد كل هذا الخراب الذي تركه داخلي؟

وهنا تبدأ المأساة التي لا يفهمها إلا من عاشها…
أنك لا تبكي على شخص فقط، بل تبكي على نفسك القديمة.

على نقاء قلبك الذي دخل القصة بصدق،
على طهر روحك التي كانت ترى الحب مكانًا مقدسًا،
على الإنسان الذي كنته قبل أن تكتشف
أن بعض البشر
لا يحبون الأرواح…
بل يحبون الأدوار التي تمنحهم الشعور بالبطولة.

وأقسى ما في النهاية… أنك لا تخرج من المسرحية مكسور القلب فقط، بل تخرج وأنت تخاف من فكرة مرعبة جدًا:

أن حياتك كلها كانت حقيقية بالنسبة لك… ووهمية بالكامل بالنسبة للطرف الآخر

وأقسى ما في الحكاية… أن بعض الأبطال في هذه المسرحيات يمشون في الحياة وكأن شيئًا لم يحدث.

لا يرتجفون من الخراب الذي تركوه،
ولا من الأرواح التي انهارت تحت أقدامهم،
ولا من القلوب التي استُهين بها فقط
لأنها أحبت بصدق.

ويبقى السؤال المرعب:

هل يعرف هؤلاء فعلًا معنى الظلم؟
هل يفهمون معنى أن يُهان قلب
فتح أبوابه بكل طهر ثم يُترك مكسورًا بهذا الشكل؟

هل يدركون أن الأرواح ليست ألعابًا نفسية،
ولا محطات مؤقتة لتغذية فراغاتهم؟

الروح عند الله مكرّمة… فكيف يُهان إنسان
نفخ الله فيه من روحه؟

كيف ينام الظالم مطمئنًا بعد أن حوّل روحًا كاملة
إلى خرابٍ داخلي لا يهدأ؟

كسر القلوب ليس أمرًا هيّنًا عند الله.
فالقلوب ليست لحمًا فقط…
بل أوطانًا خفية يسكنها الأمان والمعنى والحياة.

ويبقى السؤال الذي يزلزل الروح:

كيف تقف خمس مرات أمام الله
وأنت ظالمٌ لروح؟

كيف ترفع يديك بالدعاء وهناك قلبٌ منكسر بسببك
لا يعرف كيف ينجو من أثر ما فعلته به؟

كيف تتصدق،
وتبتسم للغرباء،
وتبحث عن أبواب الرحمة…
بينما هناك روح
أنهكتها ببرودك،
وأتعبتها بخداعك،
وتركتها تتآكل وحدها بعدك؟

كيف تقول: “يارب ارزقني، ارحمني، جبّرني”… وأنت كنت في حياة أحدهم … الكسر نفسه؟

كيف؟
وكيف؟
وكيف يطمئن قلب إنسان وهو يعلم أنه كان يومًا
سببًا في انهيار روح أحبته بصدق؟

فبعض المظالم لا تُنسى لأنها مؤلمة فقط…
بل لأنها حدثت داخل مكان مقدّس جدًا عند الله:
قلب إنسان.

Exit mobile version