Site icon مجلة شبابيك العالمية

موت الرغبة.

الكاتبة : منى السويدان.

“ما نرغب به يشتعل بشهوةٍ عمياء فيحترق سريعًا، وما نختاره يشتعل وعيًا… فينير ولا يحترق، لأنه صوت الروح.”

كانت تمشي وحدها… لا تبحث عن أحد، ولا تشكو غيابًا.
امرأة تصالحت مع وحدتها حتى صارت رفيقتها، تعرف طريقها، وتحمل خيباتها وأحزانها دون أن تنتظر من يخفف عنها.

بالصدفة… أو هكذا ظنّت، تعثّرت.
ولم يكن ما اصطدمت به حجرًا، بل قلبٌ محبوس.
ومن عمق الصدمة خرج المارد، وكأنه كان ينتظرها.
نظر إليها بدهشة؛ امرأة كاملة، تبدو بلا حاجته، ومكتفية بذاتها.

— قال بصوت هادئ.
أنا مارد، أحقق الرغبات.

ابتسمت وقالت:
— وأنا امرأة تحيا بروح حرة، لا تقيّدها الإغراءات.

توقف المارد بذهول.
كانت هذه فجيعته الأولى إدراكه لقوة صوت الروح، فقد اعتاد أن يُستدعى ليُنقذ، أو ليُستخدم كحل مؤقت، ثم يمر من قصة إلى أخرى، يقوده شغف الرغبات.
وأول مرة يخرس ضجيج الرغبة… فلم يُطلب منه شيئًا.
قد كانت مميزة، متفرّدة عن البقية.
أصر أن يعرف: من أيقظت روحه وأخمدت رغبته؟

جلس بقربها.
لم يلمع ليخطف بصرها، ولم يستعرض قوته ليبهرها.
اختار فقط أن ينصت… بحضورٍ وحكمة.

— قالت : أنا روح وُلدت من رحم التجارب .
روحي كالريح، لا يتجاوزها إلا من يجهل طبيعتها،
وقلبي كجذع نخلة، لا ينحني للعواصف.

هنا تخلّى المارد عن الأنا، فتجلّت له سكناها.
وحلّق بروح أنثى شامخة، ناضجة، حضورها يسبق حروفها، وأثرها يتبعها.
من عمقها أوجدت حقيقتها، وفي رجاحة عقلها منهاج الحكمة.
أعظم رغباتها لم تكن الذهب، ولا الحماية، ولا الوعود…
بل الحضور، الثبات، الصدق، والوضوح.
ويختارها أحد كل يوم، لا لأنها محتاجة، بل لأنها مستحقة.

لم يكن رجلًا ظهر صدفة، ولم يفر من صدمة، بل عهدًا قديمًا تذكّره نفسه.
قوته تباينت لها فقط. فهو ليس للجميع، ولا يُستدعى ليختار مرتين.

لا يُغريه النداء،
رجولته ليست استعراضًا، بل التزام وولاء.
فالرجولة مسؤولية، والمسؤولية تحتاج شجاعة،
والشجاعة لا تتكوّن إلا بالحكمة والوعي.

لروحين مكتملتين، اختار كلٌ منهما الآخر،
اختارا… لم يرغبا.

فالأرواح لا تلتقي صدفة،
تلتقي لأنها تعرّفت على بعضها قبل الأسماء، قبل الأجساد، قبل الزمن.

فالرجل لا يقع في الحب، هو يستيقظ فيه.
كأن قلبه كان نائمًا حتى نادته روح أنثاه بلا صوت.

لا حاجة، ولا هروب من الوحدة، ولا تعويض عن نقص.

أحبّها.
لم يطلب منها أن تكون أقل، ولا أكثر، بل أن تكون كما هي.
اتّسع صدره لها كما تتسع السماء لنجمة لا تنافس أحدًا.

لا يحتمل رؤيتها حزينة، ليس ضعفًا أمام دمعتها، بل لأن ضحكتها أصبحت ميزان روحه.
إن اختلّت، اختلّ، وإن أشرقت، استقام الكون داخله.

يسمع ما لا يُقال، ويحتضن ما لا يُفهم، ويطمئنها بحضوره حين تخاف، تتعب، أو تصمت روحها وجعًا.

يغار…
لا امتلاكًا، بل خوفًا من أن يمسّ العالم نقاءها.
لا يقيّدها، بل يحرسها.
لا يطفئها، بل يزيد نورها اتزانًا.

لا تغيّره الظروف، ولا الضغوط، ولا الإغراءات العابرة، ولا امرأة أخرى بوجه مختلف وقلب أقل عمقًا.

يقدّس مقام الحب الأعلى:
اتحاد الحب بالوعي، ترياق من لدغ الرغبات.
فيصبح العناق مخاضًا يلد منه الحب والطمأنينة،
عناق تتناغم فيه الأرواح، يكمل الفراغات ويرتب الهوامش،
ويصبح الحضور عبادة، والاختيار فعلًا مقدسًا،
لا تهزه الدنيا، ولا تغريه الطرق الجانبية.

سكينة لمن عرف أن ما كُتب لا يُزاحمه أحد.
حين لا يكون وعدًا، بل قدرًا مُدركًا.

لا يُستهان بالحب، ولا تُدنس قدسيته برغبات مبطنة.
فهو اختيار الروح، أعظم وأقوى طاقة إلهية وُضعت في القلوب.

فماذا عنك، يا ابن آدم؟
كيف تستهين اليوم بالحب، وتستخف به، وتدنّس ما جعله الله طاهرًا في القلوب، من أجل رغبة مؤقتة؟


المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه

تويتر : https://twitter.com/shababeks_1

سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1

انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag

قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag

لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

Exit mobile version