د. غادة ناجي طنطاوي. Ghadah_tantawi@
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم; “لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة”.
أربعون عامًا مرت علي، وأنا الآن على مشارف الخمسين، قضيت طفولةً رائعة بين أحضان أمي وأبي أطال الله في عمرهم،ثلاثة أخوات، أخْ رائع، وإبنة مثالية، اكتملت بهم نظرة الحياة المثالية في عيني. عاصرت الزمن الجميل وجيل الطيبين، ومرت أجمل أيام عمري بين رغباتٍ تاقت لها نفسي وأحلامًا انتظرت تحقيقها بفارغ الصبر..!! وبمرور الأيام كبرنا.. وفقدنا كل تلك القيم، واندثرت أمانينا تحت ركام العوالم الرقمية، وثورة التكنولوجيا.. وليتنا لم نكبر..!!.
باتت أحلامنا بعيدة المدى، وغدا الحلم أمل زائف ارتبط بأمورٍ مليئة بالعقبات التي تحولت لخوارزميات الحوسبة..!!.
في السابق.. كنا ننتظر أبي ليعود من عمله، وتجمعنا مائدة الغذاء، دون أن نحمل هواتفنا، نتابع حكايات عالمية، وقصص سنان وهايدي، غير آبهين لما قد يأتي به الصباح..!! نقوم بحل الواجبات، ننعم بمكآفأةٍ بسيطة من أمي تمثلت في قطعة حلوى من بائع دكان الحلوى بجانب بيتنا..!! نلهو قليلًا مع أطفال الجيران، نتبادل معهم إنجازاتنا المدرسية، نقوم بإعداد لوحة للفصل، تتحدث عن السلسلة الغذائية للحيوانات، ونتوه بين كسور البسط وتوحيد المقام، ثم نبدأ بتحضير جدول الغد في حقيبٍة اخترناها من مكتبة الكرمة..!! نلتف حول التلفاز لنشاهد خالتي قماشة، أو آخر مغامرات محظوظة ومبروكة، تحضر لنا أمي طبق العشاء مع كأس حليبٍ دافئ، معلنة نهاية اليوم بموجز أخبار التاسعة..!!.
كنا ننتظر قدوم رمضان بفارغ الصبر..!! فقد كان لقدومه حكايات أخرى في ذاكرة كل منا..!! بدايةً من أنوار الشوارع، عصائر، حلويات رمضان، ثم مدفع الإفطار الذي كان يسمع في كل بيت..!!
وكان لنا موعد مع فوازير رمضان، قصص ألف ليلة وليلة، قصص شهرزاد وسيف مسرور الشهير..!! ثم يهل علينا العيد..!! ويبدأ كل بيت بتحضير مائدة إفطار لجميع الأولاد والأحفاد، وطقوس عيدية العيد التي كانت تمثل قمة سعادتنا، ملابس جديدة، رائحة قهوة تفوح من كل بيت وطبق شوكولاتة العيد، العلامة الفارقة لكل عيد..!! ينتهي اليوم بعشاءٍ يجمع كل العائلة..!! هكذا لمدة ثلاثة أيام، تمتلئ فيها المقاهي إحتفالًا بالعيد حتى يمضي..!!.
لم نكن نسمع عن هرجٍ ومرج لجرائم تنافي العقل والمنطق..!! لم نشهد حروبًا تشن على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب عملٍ درامي ينتهك قدسية الشهر الكريم.. ولا برامج تسفه من قدر فنان أو مؤلف أو تخترق جدران بيوتهم..!! ولم يتجرأ رمسيس على التهكم بمسؤل في برنامج يا تلفزيون يا.. ولم تفاجئنا منى الحسيني في حوار صريح جدًا بفضيحة مدوية وكشف المستور عن أحدهم..!! ماذا حدث ليالي الحلمية..!! هل انتهت مع المال والبنون..!! هل انتهى عصر الكهف والوهم والحب وأصبح زمن المنسي..!! وغدت الأيام رحلة بين أصابع الزمن وعذاب الصمت..!!.
باتت أحلامي يتيمة، عن كل حلمٍ فقده قلبي وتمسك به عقلي يومًا ما..!! لم تعد وجبة غذاءٍ ولا مائدة إفطار تجمعنا..!! حتى أطفالنا لم تعد فرحتهم بالعيد كما سبق..!! ولم تعد رحلات الصيف المتنفس الوحيد من هم الدراسة..!! تقارب الزمان وتسارُع الوقت حتى غدا احتراقه كاحتراق السعفة..!! لا يعجبني هذا الوقت ولا أشعر بأي إنتماء له..!! ولازالت أحلامي بسيطة عجزت أن تفوق حلمي بإجازة آخر العام.. رائحة حساء رمضارن وعيدية العيد..!!.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

