د. غادة ناجي طنطاوي. Ghada_tantawi@
لطالما سمعنا عن قصص الخيال، أرضٌ تتجسد عليها حكايات الجانّ، سندباد، مصباح علاء الدين وقصص القراصنة.. حكايات تنتمي صراحةً إلى عالم الوهم.
في عام ١٩٠٤ ميلادي، قام الكاتب الإسكتلندي جيمس ماثيو باري، بتقديم قصة خيالية عن طفل يدعى (بيتر بان)، طفلٌ شقي يمكنه الطيران، لم يكبر مثل أقرانه، وقضى طفولته وهو يجوب مغامرات على أرض جزيرة نيفرلاند، زعيمًا لعصابة من الأطفال الضاله، يتعامل مع حوريات البحر، الأمريكيين الأصليين والقراصنة. ولم يعلم باري آنذاك بأنه يخبرنا عن عارضٍ قد يصيب البعض منا مستقبلًا، سمي بـ (متلازمة بيتر بان) تيمنًا بإسم الشخصية الخيالية.
شخصية لا تكبر أبدًا، تعيش كطفل في نيفرلاند الخيالية، تتجنب مسؤوليات البالغين، المتعلقة بالعمل والوظيفة، وضع خطط طويلة الأجل، تعاني مع المستقبل، مفرطة في الأنشطة الطفولية، وتواجه صعوبة في الارتباط، عدم الاستقرار في العلاقات والنضج العاطفي. وقد تكون هذه الحالة ناتجة عن مجموعة عوامل قد تختلف من شخصٍ لآخر، لربما كانت متعلقة بديناميكيات إنتقال الأفراد داخل الأسرة إلى مرحلة النضج. وقد تساهم لاحقًا في انخفاض تقدير الذات أو اضطرابات القلق في متلازمة بيتر بان.
متلازمة تستدعي تدخل العلاج النفسي زيادةً للدعم الأسري والتفاهم بين الأفراد الذين يواجهون صعوبات مماثلة.
ولازلت أقول بأن أعظم كارثة تواجهها البشرية حاليًا، هي كارثة الذكاء الإصطناعي، العامل الخفي في نظري، والمؤثر بشكلٍ كلي على عملية تطور النضج العاطفي.
تخيَّل أنك تعيش في عالمٍ يخالف فطرتك.. عالمٌ لا تفهم فيه مشاعرك.. ولا تستطيع تحديد ما إذا كان شخصٌ ما يحبك، يكرهك، أم غاضبٌ منك..!! عالمٌ تموت فيه الحروف لتتحول إلى خوارزميات حاسبٌ آلي..!! حياة مُبهمة غريبة وربما موحشة.. وهنا تكمُن أهمية الذكاء العاطفي، العامل الرئيسي للتواصل الإنساني من وجهة نظر الكثير من العلماء..!! فالأشخاص الذين يتحلًّون بالذكاء العاطفي قد يصلون إلى أعلى المراتب حتى ولو كان ذكاؤهم المعرفي ليس عاليًا، بينما لا يستطيع الأشخاص الذين يفتقرون إلى الذكاء العاطفي النجاح في الحياة حتى لو كانوا أذكياء.
نحن في زمن الحوسبة العاطفية، التي تحاكي المشاعر البشرية إعتمادًا على تحليل الصوت، تعابير الوجه والإشارات الفسيولوجية، لإضفاء روح العاطفة على الآلات..!! وعلى الرغم من أن سيري وأليكسا قدموا إمكانات هائلة في مجال الرعاية النفسية والتفاعلات الإنسانية، إلا أني غير مقتنعة باستبدال القدرات البشرية بخوارزميات الهروب إلى العوالم الإفتراضية..!!
تخيَّل أنَّنا نعيش في عالم لا نفهم فيه مشاعر بعضنا بعضاً، ولا نستطيع تحديد ما إذا كان شخصٌ ما يحبنا أم يكرهنا أم غاضب منَّا، ولا نشعر أيضاً بأنَّ الآخرين يستطيعون فهم عواطفنا، ستكون الحياة مُبهمة، غريبة وربما موحشة. هناك أمورٌ لا يمكنك تجنبها، قد يساعدك الذكاء العاطفي المرتفع في إدارتها بشكلٍ أفضل، لأنه يعمل كحاجز للتوتر، ويجعلك قابل للتعافي بسرعة بمجرد مرور الموقف. مهارةٌ فطرية من الله منحت فقط للبشر، يحاول البعض حاليًا سلبنا إياها تماشيًا مع ما تقتضيه الثورة التقنية.
ختامًا، لست ضد التطور التكنولوجي، لكن ضد التأثير السلبي المتعدد الأوجه للذكاء الاصطناعي على الصحة النفسية، بغض النظر عن العزلة الاجتماعية والاعتبارات الأخلاقية. وجل ما أخاف منه هو لقائي بعصر الروبوتات..!!
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

