بقلم: د. أشرف سالم.
بحكم علاقتي الطويلة مع العمل الصحفي والإعلامي، واهتمامي بمتابعة الثقافة والفكر والأدب؛ فقد تعرفتُ على أو اقتربت من أو عرفتُ عن؛ عددٍ كبيرٍ من أرباب القلم والمبدعين؛ كُتابًا وأدباء؛ نقادًا وشعراء؛ كلٌ منهم له صفاته ومميزاته؛ وربما طقوسه الخاصة في ممارسة الكتابة.
ولكنني أعرض اليومَ نموذجًا متميزًا يثير الإعجاب بقدر ما يثير الحَيرة؛ منذ أن عرفتُه يراودني الشغفُ في الكتابة عنه؛ ولكن ما أبداه من نشاط بارز أثناء معرض الكتاب الأخير بجدة؛ حفزني على المسارعة بتسطير انطباعاتي عن هذا الأديب العجيب.
إنه الكاتب السعودي الشاب أحمد حسين فلمبان؛ ودعونا نبدأ بمعرض الكتاب الذي تعامل معه كاتبنا بقدر كبير من الشغف المشوب بالقلق؛ حرصًا منه على أن يكون المعرضُ منصةَ انطلاقٍ لتعريف الناس به وبكتاباته؛ حيث كتب على صفحته: “راح أكون متواجد شخصياً للالتقاء بزوار المعرض؛ والحديث معهم والتوقيع لهم إن شاء الله؛ أنا بالنسبة لي ما أعرف الساعة كم يفتح؛ لكني بكون هناك من بداية اليوم؛ والود ودي من شدة الحماس أمسك مفاتيح المعرض وأفتح السوبر دوم من صلاة الفجر؛ وأبخر القبة للزوار وأجهزها؛ وآخر واحد يقفل اللمبات ويطلع؛ ويجيب الله مطر”.
هذا الشغف المشوب بالقلق يعدُّ نمطًا في كتابات أديبنا بل في حياته، مما جعله يعدُّ نفسه فاشلاً وألَّف في ذلك كتابًا أسماه “قصة فشل”، ولا أدري إذا ادعى الفشل من يملك أربعةَ إصداراتٍ مطبوعة؛ وهو لتوه تجاوز الثلاثين من عمره؛ فمن إذن الذي يدعي النجاح؟، وكيف يكونُ فاشلاً من ظهرت عليه علامات الإبداع منذ الصغر؟؛ حيثُ حصل على مركزٍ متقدم في مسابقة أدبية في الكتابة على مستوى منطقة مكة المكرمة؛ وهو بالصف الثاني المتوسط، وكيف يكون فاشلاً من يرفض أن يعتاش على ثروة عائلته الغنية؟؛ ويصر على العمل بمهنته كمحاسب؛ وهي الصفة التي يحب دائمًا تعريف نفسه بها إلى جوار الكتابة.
تتميز كتابات أحمد فلمبان بصفتين نفتقدهما في بعض الكتاب الشبان؛ الذين لا يصلون إليهما إلا بعد فترة من الممارسة والخبرة والدربة؛ وهاتان الصفتان هما سلامة اللغة نحويا وبلاغة عباراته الفصيحة؛ ويمزج في نصوصه بين الكتابة والرواية والخواطر، ولكنه في كل حالاته صاحب رسالة؛ اقرأوا معي تلك العبارة: ” في ظل عالم متأزم ومليء بالصراعات والتناحر والفتن المخيفة والقاتلة التي تعيشها الكرة الأرضية؛ في هذه الفترة بين أطياف البشر الذين يعيشون عليها، برزت في عقلي فكرة مدهشة حول إيجاد نص فريد من نوعه؛ يحكي عن الإنسانية والتآخي وكذلك التآلف بين البشر ومحاربة العنصرية فيما بينهم”.

كما يتميز اديبنا بدرجه عالية وراقية من الإنسانية مع التأثر العميق بقيم الثقافة الإسلامية؛ فكتاباته تحتفي وتحتفل كثيرا بمعانٍ سامية كالتعايش والتسامح والرفق بالضعفاء والمهمشين، وبالمقابل نبذ صفات بغيضة كالعنصرية والأنانية والتكبر؛ وتحفل كذلك بالتعاطف مع ذوي الاحتياجات الخاصة، وعندما كتب كتابه “علمتني أنا” كان دعوةً للتعايش المتسامح؛ من واقع معايشته للعديد من الأجناس في الفترة التي قضاها بأمريكا؛ وإن كانت جذور التعايش مغروسةً بداخله منذ نشأته في مهبط الوحي وقبلة الدنيا “مكة المكرمة” شرفها الله؛ فهي أكبر وأقدم نموذج للتعايش في العالم.
يقول أحمد عن نفسه: ” تعرفون أصحاب الهمم بالنسبة لي هم شعلة النشاط في حياتي؛ من دون ما أشير لأسمائهم حفظا لمشاعرهم، وكذلك هم نبتة السعادة والأمل والتفاؤل، وإنه بكرا راح يكون أفضل بكثير من اليوم، أما الأيتام فما يحتاج توصية؛ يعني كفاية رسول البشرية ﷺ قال أنا وكافل اليتيم كهاتين وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى، كذلك قال ﷺ “ارْحَمِ الْيَتِيمَ وَامْسَحْ بِرَأْسِهِ وَأَطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِكَ يَلِنْ قَلْبُكَ وَتُدْرِكْ حَاجَتَكَ”، ولهذا فإن التعامل مع هذه الفئتين تحتاج إلى مهارة وقوة صبر والأهم تنتبه إلى لسانك لأنه الكلمة الواحدة كالرصاصة”.
أحمد فلمبان أيقونةٌ للأمل والتفاؤل؛ فبعفوية روحه الطموحة اختار لنفسه اسمًا خاصًا هو “ابتسامة قلم”، ومن خلال هذا العنوان المشرق؛ يطرح فلمبان في وسائل التواصل الاجتماعي رسائلَ إيجابية محفزة، اخترتُ لكم منها: تفاءل يا صديقي وانسَ همومك؛ تفاءل وازرع الورد في حقل الشوك؛ تفاءل ولا تصرخ للعالم أنين ألمك وصوت وجعك فلا يملكون تغيير شيء؛ تفاءل وادفع بنفسك للأمام ولا تفكر في الخلف أبدا؛ تفاءل واجعل التفاؤل دستور حياتك ونهجك السعيد المبتسم؛ ابتسم فالابتسامة في وجه أخيك صدقة؛ انشر الفرح؛ عانق الجميع عناق محبة وسعادة؛ فلو أصابك يوم من الأيام حادث عارض لا قدر الله، فاجعل أملك وحسن ظنك بالله عزوجل قوياً جداً؛ علينا العيش بسلام بعيدا عن الطائفية المزعومة والعنصرية القبلية وغيرها من الشعارات التي تحرض على العنف ضد الطرف الآخر؛ علينا أن نكون إنسانًا قبل كل شيء وبعد كل شيء.
هذا هو أحمد فلمبان .. الكاتبُ الإنسان .. مدعي الفشل الذي يعلمنا النجاح.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

