الكاتبة : ريم عبدالباقي.
فيروز، رعشة الحنين الغامضة التي تدب في روحي، تغني فتعبث بمشاعري بخفة الساحر، ترسم اللوحات في خيالي بريشة الفنان، تلامس إحساسي بصوتها القيثاري الذي لم ولن يخلق مثله.
تفاجئني بقوة نبرتها في الأغانِ الحماسية، بالدمع الذي يقطر من أحبالها الصوتية مع الكلمات الحزينة، بالدفء الذي يسري في القلب مع كلمات الحب والشوق التي تتغنى بها، فتتوغل في الصدر ليتفشى السلام والحبور، برجفة البرد التي تسري في جسدي الذي أنهكه الحر عندما تغني للشتاء.
فعلى الرغم من أني أعيش في بلادٍ كل علاقتها بالشتاء هو أن نغبط مظاهر حلوله في البلاد الأخرى، تحملني أغنيتها رجعت الشتوية على بساط من حنين لشتويات لم أعشها، ولم استمتع بها إلا من خلال صوتها.
تهطل ندف الثلج على رأسي، أجلس بصحبتها أمام مدفئةٍ يحترق بها خشب الجوز، أبحث عن الدفء في كوب الشوكولا الساخنة، الذي أحمله بين كفيَّ، بينما أنظر من النافذة إلى السماء الرمادية تتماهى مع الأرض البيضاء، وفي الخلفية تلوح الأشجار التي غشيها المشيب، أنتظر بشوقٍ غامرٍ ذلك الحبيب الغائب الذي كانت تحكي لي عنه.
أخرج من بيتي العتيق رغم البرد وأمشي في الشارع الذي أغرق معالمه المطر، حتى تحول رصيفه إلى بحيرة، أتبع وعد ذلك الذي قال “انطريني” لأقف في انتظاره حتى أذبل، بينما صوتها يصدح “حبيتك بالصيف، حبيتك بالشتي” فأتغاضى عن الصيف الذي لا أريد أن أسمع ذكره، وأتعلق بمظاهر الشتاء التي تصفها بما فيها البشر الذين وقفوا “عالمفرق” ينتظرون أحبائهم تحت سماءٍ شتائيةٍ عنيفة، تغرقهم بمطرها، فيتقوا شر قسوتها بالمظلات التي حملوها، وأتحول أنا لتلك الفتاة البريئة، تراقبهم من دكانها القصي الضجر الجدران في اشتياق، لأنه يذكرها ذلك الحبيب المجهول الذي وعدتها به سماء الشتاء وصوت فيروز، تنتظر بكل أملٍ هطول حبه عليها مع قطرات المطر مستجيباً لمراسيلها الضائعة.
يأتي الشتاء القادم موفٍ بالوعد لتبدأ قصة الحب المنتظرة، ولكنها تنتهي سريعاً في الشتاء التالي، لتشاركني فيروز تساؤلاتي الوجودية:
ما فائدة كل تلك المشاعر الفياضة، وأحلام العمر الطويل، أذا كانت كلمةٌ صغيرةٌ ستنهيها؟
فتسأل “شو نفع البكي، شو إله معنى بعد الحكي؟”
أهدأ قليلاً فتبكيني معها مرةً أخرى وهي تحكي لي وتستحضر مشاهد تلك الليلة الشتوية الصاخبة العاصفة التي جلس فيها عاشقان يافعان يتسامران على ضوء الشموع في الكوخ الخشبي الصغير، تتعانق كفيهما المثلجتان، يستمدان الدفء من النظرات التي أذابتهما حباً، لتنتهي قصتهم المكتوبة على خطوط الشتاء بالفراق المحتوم، والدمعات التي أهدرها النظر الى الباب الذي أغلق دونهما.
“لم يا فيروز؟” أتنهد بإرهاقٍ فقد آلمني قلبي من كل قصص الحب الفاشلة التي أخذتني إليها، في رحلةٍ مكوكيةٍ شتويةٍ بانوراميةٍ دامعة ، فتقرر أن تراضيني وتأخذني معها إلى منزل جدتها، تناديها: “ستي يا ستي” فتهرع إلينا بأطباق الحساء الساخنة ، تغدق علينا حنانها، نستلقي باسترخاء كطفلتين أمام المدفأة الخشبية، ننسى البرد والثلج المكوم في الطرقات ونحلق مع قصصها السحرية حتى نغفو.
ويبقى دائماً صوت فيروز مرتبطاً في وجداني بكل المواسم والمشاعر والذكريات، ويبقى صوتها الشجي أكثر ما يبهجني في الحياة رغم الحزن الذي يسكن معظم كلمات أغانيها.
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : Tweets by shababeks_1
سناب شات : https://www.snapchat.com/add/shababeksglob19
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

