الشاعرة : هند النزاري .
أَتَدْرِي! لَقدْ حَيَّيْتُ دُنْيَايَ مِنْ هُنَا
فَلَيس غَرِيبًا أن يَكونَ المَدَى أَنَا
فَتَحْتُ عُيُوني في (المَلَزِّ) عَشيَّةً
وَأهْدَتْ ليَ البَطْحَاءُ فَجْرًا مُلَوَّنَا
أنَا فِي رِيَاضِ العِزِّ أعْدَدْتُ خِطَّتِي
لأقْتَحمَ الدُّنيَا وَأسْتشرِفَ المُنَى
وقَرَّرْتُ أنْ أخْتَطَّ لِي في تُرَابِها
كِيَانًا أثِيرِيًّا ونَهْجًا مُقَنَّنَا
ولكنَّ مِرسَالًا أتَاني وسَارَ بِي
لِوعْدٍ علَى تَقْدِيرِ رَبِّي تَحَيَّنَا
لأطْرُقَ أبْوَابَ المَدِينَةِ خِلسَةً
وأرْجُو لَيَالِيهَا مَلَاذًا ومَأمَنَا
كأنَّ اقْتِرَافِي للحَياةِ أخَافَنِي
فَصَارَ ليَ التَّهوِيمُ في الأرْضِ دَيْدنَا
أأنتِ إذًا نَجْدِيَّةٌ؟ قُلتُ: رُبَّمَا
ولكنَّ في قَلبي غَرَامًا مُمَدَّنَا
عَلى حَسْبِ ما يَبْدُو مَدينِيَّةُ العُرى
فُؤادُكِ في طِينِ الحِجازِ تَوَطَّنَا
ولا هَذِهِ أيضًا يَصِحُّ اعتِمَادُهَا
فَدعْنَا من الألقَابِ إن شِئتَ وَالكُنَى
أنا مِن بِلادٍ كلُّ شِبرٍ بها مَدًى
يَطوفُ المَعَالِي ثمَّ يسْتَأنِسُ الدُّنَا
يَجُزُّ المَجرَّاتِ الَّتِي في طَريقِهِ
ويغْزِلُ من خَضْرَائِهَا رَايةَ السَّنَا
ويَنقشُ للسَّيفينِ فيها مَدَارِجًا
ويَغرِسُ فيها نَخلةً حُلوةَ الجَنَى
ويكتبُ نِبرَاسَ النُّبوءاتِ فَوقهَا
لِيبقَى مَدَى الدُّنيا عَصِيًّا عَلى الفَنَا
أنا من بلادٍ مَجدُهَا في هُوِيَّتي
أطوفُ به الأيَّامَ وصْفًا مُدَوَّنَا
ورُوحُ الخُزَامَى في عُرُوقِي قَديمةٌ
لها طَالِعٌ في الأفْقِ يُقْفَى ويُجْتَنَى
أمُدُّ له كَفِّي إذا ما تَطلَّبَتْ
دَوَائرُ أطْيَافِي مِزَاجُا مُزَيَّنَا
وفي الليلِ تَطْوي ساحَةُ الحُلْمِ يَقظَتِي
فَأذْرَعُ (قُرْبانًا) لِوَجْدٍ تَمَكّنَا
فَتَهْمِزُني بين الفَوَانِيسِ نَغْمَةٌ
وتَعْنُو ليَ الأوْتَارُ شِعرًا مُلقَّنَا
إذَا ما غَشَاني الصُّبحُ أنْكرْتُ وَجهَهُ
وقَدْ سَكَنَ الأورَاقَ تِيهًا مُدَوْزَنَا
شَيَاطِينُ تلكَ الأرْضِ خَيِّرَةُ الرُّؤَى
تُبَرِّئُ من لَعْنَاتِهَا مَن تَحَصَّنَا
تُوَافِيكَ بِالأشْعَارِ أنَّى توجَّهَتْ
صُدَاحًا بَريئًا أو هُيامًا مُبطَّنَا
مع الفَجرِ يأتِي الشِّعرُ رِيحًا تَسُوقُها
مَزَاميرُها هَوْنًا لِشَادٍ تَفنَّنَا
وإِنْ أعْتَمَتْ يَأتِي طُيوفًا يَؤزُّهَا
دُوَارٌ ظَلَامِيٌّ لِغَاوٍ تَشَيطَنَا
تُدندنُ بالأفكَارِ فِي كلِّ عَطفَةٍ
فَتُوحِي لِقلبِ الليلِ أن يتَسلطَنَا
فإنْ فَرَغَتْ منكَ الغِوَاياتُ تائهًا
أتاكَ ضُحَاهَا عَارِفًا مُتدَيِّنَا
له في مَسَارِ الصَّالحينَ خَبِيئةٌ
فقد عَلَّمَ الإنْسَانَ أن يتَأَنْسَنَا
فَإن طُفْتَهَا من تَحتِ أثْقَالِكَ التي
يَعِزُّ على شَعْوَائِهَا أن تُدَندِنَا
أَعَدَّتْ (عَوَاليها) لك الحُبَّ مَجْلسًا
وَوَافْتكَ بِالسَّلوى مِزَاجًا مُلحَّنّا
وعَتَّقَتِ الرَّيحانَ والوَردَ والأسَى
فَغِبْتَ عن الدُّنيا سَعيدًا لِتحْزَنَا
لها فَلسَفاتٌ ليس يُدركُ كُنْهُهَا
وإن حَاوَلتْ رُوحُ المَدَى أن تُخَمِّنَا
تُمَازِجُ أهليهَا أثيرًا مُطيَّبًا
لو اخْتَلفَتْ فِيهم عُرُوقًا وَألْسُنَا
فَغَرْقُدُها حَقلٌ فَسيحٌ نَزُورُهُ
وَأموَاتُهُ أحْياءُ يَسْعونَ بَينَنا
أما زِلْتِ تَعْنينَ المَدِينةَ؟ رُبَّمَا
أَطَلْتُ لكَ التَّوصيفَ كَي تَتَبيَّنَا
ولَكنَّنِي أيضًا أطِيلُ إذَا سَرَتْ
شُجُوني إلى (الأعْشَى) وجِيرَانِ حَيِّنَا
فَذَاكرةُ الأنْفاسِ سِرِّيَةُ الخُطَى
على أنَّها تَرتَاحُ للبَوْحِ مثلَنَا
هُنا غَافَلتْ رَجْوَاي أحْلامَ يَقظتِي
ومَا كَانَ للأيَّامِ أن تَسْرَقَ المُنَى
فَقدْ كَانَ فيها بعضُ صَبْرٍ ورِقَّةٍ
على طِفلةٍ يلهُو بأجْفَانِها السَّنَا
تَنامُ عَلى هُدْبِ الحِكاياتِ رُوحُهَا
وتَسرِقُهَا الألعَابُ إن صُبحُها انْحَنَى
وتَطرُقُ أبْوابَ السِّنينَ فَتِيَّةً
مُسَافِرَةَ الآمَالِ تَخْطُو لِتَفْتِنَا
وقد كَانَ قَيسٌ عَاقِلًا في غَرَامِهِ
فَلمَّا رَآهَا في (الرَّوَابي) تَجَنَّنَا
ولَيْلاهُ تَسْتقصِي خِيانَاتِ قَلبِهِ
ويُعْزُبُ عنها سِرُّ ما كَانَ بَينَنَا
أُبَالِغُ يا مَولَايَ مَا كُنتُ حُلْوَةً
لقد كُنتُ أُبْلِي الحُسْنَ في مَدفَنِ الضَّنَى
إذَا ما طَغَى حُزْنِي قَصَصْتُ جَدَائِلِي
لِيَبرُزَ وَجْهِي بِالتَّفاصِيلِ مُثْخَنَا
فتَغرِسُ فيه الرِّيحُ مِن حيثُ يَمَّمَتْ
حُوافِرَهَا بُؤْسًا جَدِيدًا ومُزْمِنَا
فقَالَ: لقد حَيَّرْتِنِي يَا ظَعِينَةً
تُسَافرُ فيها الأرضُ رَسْمًا مُوَطَّنَا
أَرَاكِ تُحِيلينَ الفَضَاءاتِ أحْرُفًا
وتَلْتَمِسِينَ التِّيهَ للشِّعْرِ مَسْكَنَا
مِدَادُكِ مُلتَاثٌ له ألْفُ وِجْهَةٍ
ولو جَاءَ عَفْوًا مُنْجِدًا مُتَمَدِّنَا
وخَارِطَةُ الآلامِ فِي فِيكِ تَخْتَبِي
فَطُوفِي بِلادَ اللهِ ثُمَّ ارْجِعِي لَنَا
بِشِعْرٍ يُغنِّي كلَّ يَومٍ حِكَايةً
لها في سَرَادِيبِ الضَّلالاتِ مُنْحَنَى
فَإنْ سَألوا عن حُزنِهِ واغْترَابِهِ
نَقولُ لهم قد صَافَحَ اليُتْمَ من هُنَا
_______________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : Tweets by shababeks_1
سناب شات : https://www.snapchat.com/add/shababeksglob19
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

