بقلم : فاطمة الكعبي .
كنت جالسةً أمام شاشة هاتفي، أستعد للأمسية الأدبية. أعددت متكأً مناسبًا، وكانت أمامي كأسًا مليئةً بالكريمة البيضاء المثلجة، بنكهة الفانيليا، ظهر أول ضيفٍ في الأمسية، كانت كلماته خيّرة من معلم الناس الخير، والذي تدعو له الحيتان في البحار، والطيور في السماء.
بدأ حديثه الرائع قائلًا إننا عندما نستمع لأي موضوعٍ يهمنا، أو نحضر أمسيةً تعجبنا أو نطالع خبرا، أو نتسامر مع الآخرين في حديث ، فإننا لا نفوت فرصة احتساء فنجانٍ من القهوة، أو كوب من الشاي، لكي نشعر بسعادةٍ واسترخاء.
أما أنا فلم أفوت فرصة تناول الكريمة المثلجة بنكهة الفانيليا التي أعشقها، وكنت منشرحة الصدر منبسطة الأسارير، وبينما كنت أسامر الأنس، إذ به يدخل في لب الموضوع قائلًا: إن الفقر يا إخوة، شيءٌ متعبٌ للنفس، وقد استعاذ منه نبينا صلى الله عليه وسلم،. وأن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب،. رضي الله عنه قال: لو كان الفقر رجلاً لقتلته، واستطرد قائلا: إن علاج الفقر العلم ولا شيء سواه، فبسلاح العلم تواجه كل إرهابٍ في الحياة.
وبينما كان الضيف يحكي عن معاناة الفقراء وقهرهم، إذ بمشهدٍ قديمٍ جدًا يلوح أمامي وكأنه اليوم، عندما كانت والدتي حفظها الله تشاهد الأخبار بحماسها المعتاد، وفجأةً أخذت تردد: أعوذ بالله من الجوع، أعوذ بالله من الفقر، وعيناها تفيضان بالدمع اقتربت لأواسيها وسألتها: (ايش فيك يا ماما ليه تبكين)،. وكانت تشير بيدها للشاشة وتقول: (شوفي العيال أكلوا أمهم يا فاطمة).
ماذا؟ أمهم ؟!! لم أصدق، أو إنني في صدمة، ورغم ذلك استجبت لطلب أمي، ونظرت لقد كان المنظر مخيفًا جداً رأيت وليتني لم أرَ، رأيت مالا تطيقه نفسٌ ولا تقبله فطرة. البشر، شاهدت مجموعةً من الأطفال، خمسة تقريبا بأعمار مختلفة، حول امرأةٍ متوفاة، ملقاة على قارعة الطريق. لا يعرف منها سوى رأسها المغطى بقطعة منديلٍ خفيفة، ويظهر لي أنهم من ذوي البشرة السمراء، ففهمت أن البلدة إفريقية، وأن هؤلاء البشر. يعانون من الفقر المدقع، لقد كان هؤلاء الأطفال حول الجثة ينهشون لحمها كالوحوش الضارية، والتي لم تتناول الطعام لفترةٍ طويلة، والمذيع يقرأ الخبر وهو في حالة ذهولٍ شديدةٍ جدا، وعرفت سبب دموع أمي الغالية، وصرت مثلها أردد الاستعاذة من الفقر.
يا إلهي ما أقسى الفقر وما أشد ألمه !
ولابد أن يتعلم أبناؤنا أن كل لقمةٍ يتناولونها، يشتهونها أولًا يرغبون بها، هناك حول العالم من يحلم أن يراها ولو في منامه، وأنى له ذلك، يتمنى لو يرى الطعام بالعين المجردة، يشتم رائحته، يتذوق طعمه، وليس لذلك سبيلٍ إلا بالسرقة، أو الموت من الجوع، أو السجن والتعذيب،. وعليهم أن يتعلموا شكر النعم حتى تزيد وتدوم ولا ينسون قوله تعالى: (لئن شكرتم لأزيدنكم).
فرغ الضيف من حديثه عن الفقر ومازالت الكريمة المثلجة أمامي، دموعها البيضاء تنسكب على أطراف الكأس، وعبق الفانيليا ينتشر في أرجاء المكان، فقمت وأعدتها إلى البراد لأن دموعها تقابلت مع دموعي ففضلنا الانسحاب بلا وداع.
_______________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه تفضلوا بالمتابعة :
تويتر :
سناب شات :
https://www.snapchat.com/add/shababeksglob19
انستقرام:
https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك :
https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

