بقلم : بشرى صالح .
لم تستطع سماع صوتي منذ سنوات، هل تظنها ستعرفني؟ وماذا أفعل إذا عرفتني، ثم تظاهرت بأنها تجهل من أكون!!
يا إلهي! يا إلهي !
بالتأكيد هي أمي وستعرفني، لكن ماذا سأقول للمسؤولين هناك كي أستطيع استرجاع أمي من دار المسنين هذا؟
هل أقول : بأنني اشتقت لها، أرجوكم دعوني آخذها”، أم أقول :”بأنني ندمت على تركي لها هنا، فأرجوكم أعيدوها لي”. تباً لزوجتي المخادعة! كيف استطاعت إقناعي بفكرة كهذه ؟
لا بأس سيعود كل شخص لمكانه، هي لبيت عائلتها وأمي لبيتنا.
آخ يا بيتنا ! كم اشتقت إليك، مرت سنوات ولم أتمكن من الدخول إلى أرجائه لأتذكر الذكريات على الأقل، يا لها من زوجة !، حقاً ” إن كيدهن عظيم”. حسناً تمالك نفسك يا أحمد، واستشعر الندم حتى يكون واضحاً أمام الموظفين ووالدتك، لتنجح بعملك، حسناً لا تقلق، الأمر لا يحتاج كل هذا القلق والتوتر.
أنا تركتها ليهتموا بها فقط، وها أنا أعود لأهتم بها أنا بنفسي ؛ فهي أمي ولا يوجد لها أحد سواي في هذه الحياة، بالتأكيد سيسمحون لي بأخذها، من هم حتى يرفضوا لا يحق لهم أبداً؟!
سأخبرهم إن اضطر الأمر بأن زوجتي هي السبب، وأنها هي من قامت بكل المكائد ؛ لتجعلني أكره أمي وأتخلص منها، وأنني طلقتها وها أنا أود استرجاع أمي وطلب العفو والسماح منها.
بالتأكيد ستسامحني لأني ابنها الوحيد، فقد كانت دائماً تردد بأني أغلى ماتملك، وأني الوحيد الذي بقي لها في هذه الحياة، ليس مجرد كلام فهي قد سجلت البيت الذي نسكنه باسمي، وجميع أموالها لي، ولا أتذكر بأنها رفضت لي طلباً أو حرمتني من شيء أبدًا، وتوفر لي كل ما أرغب به بدون سؤال.
بالطبع ستفرح حينما تراني، وستتفهم خطئي كما كانت رحيمة وطيبة.
آه يا إلهي، امنحني القوة أرجوك !
مرت أربعون دقيقة – وأنا أمام باب الدار – ولم أتمكن من الدخول حتى، كيف؟ كيف فعلتها يا أحمد قبل سنوات وبكل قسوة؟
ولم تلقِ لرجائها بك أي اهتمام، ما زلت أذكر ما قالت لي تماماً: “بني اذهب لعملك وأنا سأنتظرك، لا تقلق لأجلي، لم تكن تعلم بأن عملي هو جريمة بحقها، وأني قمت بخداعها، واستغليت عمى عينيها وتركتها وحيدة، آه كم كنت عديم الشفقة حتى لم أتكلم مع المسؤولين ليهتموا بها فوراً !!
كنت خجلاً منهم، ولم أخجل من ربي الذي أعطاني نعمة فرطت بها من غبائي، أو أمي ذات القلب اللطيف.
يا الله، يكاد رأسي ينفجر فلم أتمكن من النوم ليلة البارحة من التفكير، ولكن لا جدوى من ذلك، ما زلت أريد حل هذا الأمر بطريقة أسهل، ليتني لم آخذ هاتفها المحمول من يديها ؛ لأعاود الاتصال بها في مثل هذه الحال، آخ يا للساعة التي أحضرت فيها أمي هنا!! رجل الأمن يطرق نافذة السيارة، ولم يسمعه أحمد. عاود الكرة للمرة الثالثة – الأقوى من قبلها – وفتح النافذة.
رجل الأمن: السلام عليكم، هل أستطيع مساعدتك؟
أحمد: وعليكم السلام. لا، شكراً أريد الدخول للدار، ولكني سأجري مكالمة هاتفية قبل الدخول.
رجل الأمن: مر على وقوفك يا أخي خمسون دقيقة. لهذا السبب أردت تقديم المساعدة لك ؛ لأنه سيتم إغلاق الزيارة بعد ربع ساعة من الآن.
أحمد: حسنًا، ها أنا قادم لم يتبق الكثير، ولا أستطيع التأجيل أكثر من هذا الوقت.
ذهب أحمد بتوتر للدخول إلى دار المسنين بعد أن قطع حبل أفكاره رجل الأمن، وقف أمام الاستقبال وألقى التحية قائلاً:
أحمد: السلام عليكم .
موظف الاستقبال: وعليكم السلام.
أحمد: آآ….اممم
موظف الاستقبال: تفضل، ماذا تريد؟
أحمد: لقد جئت لأصطحب أمي معي إلى البيت، فقد تركتها على الكرسي هناك قبل ثلاثة أعوام.
موظف الاستقبال: ما اسم والدتك من فضلك؟
أحمد: عائشة محمد، وأنا ابنها الوحيد.
موظف الاستقبال: حسناً سألقي نظرة على الحاسوب لأخبرك عن تفاصيل المعلومات الخاصة بها ؛ لتتمكن من سؤالها عن الرغبة إن كانت تود البقاء أم العودة معك ؛ لأن خروجها من الدار لا يشبه خروجها من منزلكم.
شرد أحمد يفكر كيف رد عليه الموظف، وكيف أنهم منحوا والدته شيئاً لم يمنحها إياه ولم يخطر على باله قط، قطع موظف الاستقبال دوامة أفكار أحمد قائلاً :
“أحسن الله عزاءك، والدتك فارقت الحياة قبل شهر”
أحمد: بدأ وجهه بالشحوب من الصدمة، وكأن ما سمعه ليس خيالاً من أفكاره التي تراوده، سأل الموظف قائلاً: عذرًا، ماذا قلت؟
موظف الاستقبال: والدتك توفيت قبل شهر، لا تستطيع رؤيتها.
أحمد:كيف؟ ماتت؟ لماذا لم يخبرني أحد بذلك؟
موظف الاستقبال: من فضلك اهدأ، لدينا مسنون آخرون نهتم براحتهم.
أحمد: ولكن!! انهار بالبكاء
موظف الاستقبال:
عزيزي، والدتك كانت ترفض إخبارنا بأي معلومات تخصك – بعد معرفتها بأنك تركتها في دار المسنين-، وكانت تظن بأنك ستعود لتأخذها.
أحمد: ها أنا عدت، ولم أجدك يا أمي. تركتك ثلاث سنوات، وأنتِ تركتِني للأبد!
بدأ يحدث نفسه بصوت عالٍ قائلاً: أنا المذنب، أنا أستحق هذا الحرمان على فعلتي هذه.
تجمع الناس والموظفون حول أحمد؛ ليقوموا بتهدئته والسيطرة على هدوء المكان، وبعد ذلك أخرج موظف الاستقبال ظرفاً من الدرج وأعطاه أحمد وأخبره بأن إحدى الموظفات كتبت هذه الرسالة على لسان أمه العمياء، وقد كتب عليها (إلى ابني أحمد) .
ازداد بالبكاء عندما قرأ العنوان فقط ولم يستطع فتحها، التفت إلى موظف الاستقبال وسأله عن مكان قبر والدته التي دفنت فيه، أعطاه الموظف العنوان، فخرج وذهب على الفور لزيارة القبر، وحينما وصل أمام القبر أجهش بالبكاء والحزن والندم يملآن عينيه. وبعد مضي مدة من الوقت تذكر الرسالة التي تركتها له، فقرر فتحها، ووجد مكتوباً فيها:
(السلام عليكم ورحمة وبركاته..
إلى ابني الغالي أحمد، ساءت حالتي وأنا انتظرك، وأظن بأن الموت قرب مني أكثر منك، قلقت عليك كثيراً. أتمنى أن تكون بأفضل حال، قررت أن أضع لك هذه الرسالة حتى لا تقلق علي إن جئت إلى هنا مرة أخرى ولم تجدني، في حفظ الرحمن ياولدي).
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه تفضلوا بالمتابعة :
تويتر :
سناب شات :
https://www.snapchat.com/add/shababeksglob19
انستقرام:
https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك :
https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

