مشاري الوسمي
رئيس مجلس الإدارة

من بين الجدران القديمة ، رائحة التنور ،صوت الأمواج المتلاطمة ، وخيوط الشمس الذابلة ، معلنة الرحيل. كان الحنين حارسًا أميناً لكل الذكريات التي تطوف أرجاء المكان .

رحلت منذ سنين وكلي أمل في أن الأيام قد تنسيني ماقد سلف ، أبني على انقاض الماضي حاضرًا زاهرًا لا وجع فيه ولا ندم ، رحلت تاركاً ورائي قلبًا يعتصر ، مع كل شتاء حضر وشهد على ضحكاتنا تحت المطر، وبين الشجر ، ونقشنا لحروفنا على كل جذعٍ وكل صخرة .

كنا نعتقد أننا من يملك سعادة الأيام ، وعقارب الساعة وألوان الربيع ، فقد رسمنا بأقلام التلوين قوس الألوان ، فرشنا للأرض بساطها الأخضر ، نثرنا الورد في كل مكان ، وبنينا أبراجًا من الأحلام .

كنت أراها أميرة متوجة في كل مكان ، وعلى جميع بنات جنسها ، لم يكن لها في عرف العاشقين مثيل ، أراها في ضحكة الأطفال ، ورائحة البخور ، وصوت العصافير ، ونسمة الصيف الباردة .

لكن رياح الحياة عصفت بنا وقلبت أحلامنا ، حتى حولتها إلى كوابيس ، فأصبح الحُبّ كالإعصار الغاضب الذي دمرنا قبل غيرنا ، استحال قربنا ، حُرِّم وصالنا وكأننا جناة عصرنا ، طُردنا وكأننا يهود غاصبين . تركتها من أجلها ورحلت ليس جبنًا ، بل عشقًا ، فليس للعادات دين ولا للعرف مذهب .

ظللت أعوامًا أستجدي أخبارها ، واحترق شوقًا للاطمئنان عليها، وكأغلب القصص، أكملت حياتها وأصبحت من نصيب غيري ، وقفت مكاني وكأن الدنيا تدور حولي متجاهلة وجودي .

والآن وبعد سنين أعود لقريتنا وحيدًا كما رحلت ، أتفقد البيوت والزوايا ، أملأ رئتَيَّ بالهواء علني أشتم رائحتها، أتلمس الصخور والجدران، أبحث عن لمستها، أنظر في الوجوه علني أجد من يشبهها .

بقيت الأماكن ورحل الناس ، وأصبحت الذكرى سلوان أيامي ، ملاذي حين يضيق بي الأفق ويستبد بي ألم فراقها ، تلك التي أوجدتني من ضلعها ، وهبتني نبضها ، وآنست ذكراها ليل وحدتي .

دمتم بحب وبنعيم من تحبون تهنئون .

تعليقات 6

  1. Aicha

    ابداع في قصور الرمال
    هكذا الحياة نتعلم منها كل شيئ جميل
    شكرا لطرحك المميز

  2. غير معروف

    مبهرة حروفك سلم فكرك كاتبنا المبدع 👍

  3. غير معروف

    كاتب جميل 😍

  4. sami ali

    وصف دقيق بين الاشياء والمشاعر رائع جدا

  5. Mans.

    من اجمل ماقرأت وجدانيات 👍🏻

  6. غير معروف

    مقطوفة أدبية جميلة جدا

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.