الكاتب – صالح الحسيني .
*من النقد الأدبي القديم
الناقد أثناء ملاحظته للأعمال الإبداعية إنما يعتمد في ذلك على ذوقه الأدبي الذي يعطيه القدرة للقيام بعملية التقييم للنص الإبداعي.
فالنقد يقوم على الملاحظة ، و الفهم ، و الإدراك ؛ ثم الحكم. فهو نوع من الوصف أو نوع من التمحيص يقوم على الملاحظة للتمييز بين العناصر المتشابهة و المختلفة في الموضوع الواحد للوصول إلى الحكم النهائي.
و يعتبر نشاط النقد نشاطاً عربياً أصيلاً له إرهاصات و امتداد في المورث الأدبي وفي التراث النقدي بالخصوص. وقد ظهر في شكل بداية ساذجة يتميز بطابع العفوية عمادها الذوق الفني الفطري التأثري الذي لا يستند على قواعد موضوعية معينة.
و الشواهد النقدية في التراث النقدي العربي تثبت أن عملية النقد و التمييز عملية قديمة قدم الشعر العربي حيث تعود بدايتها إلى العصر الجاهلي. إذ كثيرا ما كان العرب القدامى يقومون بهذا النشاط عند الحكم على الشاعر أو على الشعر أو عند التنويه بصاحبه لما في شعره من عناصر الجودة سواءً في الصياغة أو في المضمون.
ومما ذيع في كتب الأدب ما كان يقدم في سوق عكاظ في العصر الجاهلي و ما كان يقوم به النابغة الذبياني في هذا المجال حيث كانت تضرب له فيه قبة حمراء من جلد فيأتيه الشعراء يعرضون عليه أشعارهم. و كثيراً ما نقد و وازن القدماء بين القصائد الشعرية و بين الشعراء واستخلصوا في الكثير من الأحيان بعض أوجه الجمال و الفن و التشابه و الاختلاف وقد نوهوا بالبعض بما كان لهم من براعة و إمكانيات خاصة.
ومن خلال عملية المفاضلة هذه أعجبوا ببعض القصائد واعتبروها درة أو يتيمة . ولاحظوا بعض الخصائص التي تميز بها شاعر عن آخر .
فقد لقبو ( النمر بن تولب ) بالكيس لحسن شعره وسموا ( طفيل الغنوي ) : طفيل الخيل لمهارته و براعته في وصفه لها. وسموا قصيدة ( سويد بن أبي كاهل ) بالقصيدة اليتيمة التي يقول فيها: بسطت ربيعة الحبل لنا *** فوصلنا الحبل منها ما اتسع.
وكان نقدهم و موازنتهم تقوم أساساً على ملاحظة حسن الصياغة و حسن الفكرة: فهل المعنى مقبول، أو غير مقبول . وهل النظم مقبول ، أو غير مقبول . وإلى أي مدى تحقق ذلك الانسجام و الصقل المطابق للسليقة العربية.
ومن مظاهر النقد عندهم ما ذكر عن ( أم جندب) حين تنازع علقمة الفحل وامرؤ القيس . وزعم كل منهما أنه الأشعر . فتحاكما إلى ( أم جندب الطائية ) زوج أمرئ القيس .
ومن صور النقد كذلك ما قام به ( ربيعة بن حذار الأسدي ) في حكمه على شعر شعراء تميم الذين كانوا في أحد المجالس. واختلفوا إذ زعم كل واحد منهم أنه أشعر ؛ فاحتكموا إليه ؛ فقرأ كل واحد منهم بعض شعره عليه. وبعد أن وازن بين ما سمع من شعر . أخذ يصف شعر كل شاعر وما يتميز به فقال: أما عمرو فشعره برودٌ يمانيةٌ تطوي و تنشر.
و أما أنت يا زبرقان فكأنك ُجل حتى جزورٌ قد ُنحرت فأُخذ من أطاييبها و خلطة بغير ذلك. و أما أنت يا ( عبدةَ ) فشعركَ كمزادة أُحكم خرزُها فليس يقطر منها شيء.
نلاحظ أن أحكام الناقد فيها تشبيهات مستمدة من الواقع ؛ فكما أن لحم الشاة تتباين درجات جودته ، و حسن مذاقه ؛ فكذلك تفاوتت جودة شعر الزبرقان حيث فيه الجيد والرديء ، و قد شبه الناقد شعر ( عبدةَ بن الطيب ) بالمزادة التي أحكم خرزُها دلالة على قوة بناء شكل شعره و صياغته ؛ حيث لا توجد فيه اللفظة الزائدة أو العبارة المهلهلة ، أي أن أسلوب شعره محكم رصين.
ولهذا النشاط حضور مستمر واسع في الحركة النقدية العربية حيث ازدادت أهميته بعد العصر الجاهلي و توسع.
——————————–
* من عدة قراءات متنوعة
_________________________________________
المحتوى أعلاه تم نشره عبر حسابات المجلة ادناه تفضلوا بالمتابعة :
تويتر
فيسبوك :
سناب شات :
https://www.snapchat.com/add/shababeksglob19
قناة شبابيك :

