الكاتب – صالح الحسيني.
أن تُعبّر في مُنجزك الإبداعي المتوالد من رحم الموهبة بلغة مفعمة بالتمكن ؛ ذاك هو العبور نحو الأجمل و الأعمق و الأسمى، و أن تُوفِّق بين الأصالة و المعاصرة في نوع أدبي؛ دليل إدراكك للمشهد الأدبي الثقافي بتجلياته المكتوبة ؛كل ذلك لا يطالهُ أديبٌ ما لم يؤتَ لغة خاصة يُحسن إكرامها في إحساسه كنعمةٍ، و في لسانه عند إطلاقها شدواً، و حين مصافحتها ورقة بيضاء؛ كتابة، هذه اللغة تبيّن لنا درجة تشكُل وعي الشاعر وسعة أُفقه و مداركه؛ ذلك ما بدى لي بعد مطالعة عدد من قصائد ديوان: ( غواية بيضاء ) للشاعرة ملاك الخالدي ، الصادر عن نادي الجوف الأدبي.
جاءَ هذا الديوان في حلةٍ بيضاء ، كان غلافه أولى عتبات البياض، ثم ما تتالى بعد ذلك من شعور إنساني انسيابي شفيف يسكن عدداً من الأبيات، تشعر معه كأنما الذات الشاعرة تهمس بالقرب من كل أذن لتنبئ ” مثلُ خبير ” عن ألم مُختزن، و عن أملٍ لا ينكف ينتظر مدىً يتمدد في أُفقه ؛ كان المعين على ذلك لغة الشجن الفارهة التي لم يخلو منها أي من نصوصه. هو ديوان تبدت من خلاله قدرة شعرية مُعزّزة بالقدرة على تطويع اللغة، تُثبت ذلك أكثر من قصيدة حين جاءت ” بمائز فني إيقاعي “، و”جودة اختيار تركيبية “، و “حسن توظيف تراثي” تُضيئه مساحة البوح العامرة بالمفردات المعززة للصورة الإبداعية، غير ذلك “هيكلة شعرية خليلية مموسقة ” تستوعب أحاسيس المتلقي الناهم للشعر.
في قصائد ملاك الخالدي أبيات مُحلّقة صيغت بلغة مفعمة بالشاعرية، و بدقة تصوير الشعور لحظة إحساسه ؛ ففي قصيدة ( غربة البياض ) نجد :
أما آن للصبح قُرب انفراج
أما آن للزفراتِ رحيل
و البيت الذي يقول:
مللت اصطبار الأسى دون شكوى
مللت مناجاة حزني الجميل.
تُرى أيُ شعورٍ ينتاب المبدع لحظة الكتابة ؟!.
” مللت مناجاة حزني الجميل ”
إن َالشطر الذي يسبقه هو الأقسى ؛ لكنَ لغة الأمل تنبثق من بين كل حرف من هذا الشطر الذي تبرز بجلاء الاعتداد بالذات ، و تفاهة الحياة مع اليأس.
والصبر الممتلئ بالحكمة نجده شاخصا ًفي بيتٍ تالٍ من القصيدة:
” مللت وجوم الخريف الطويل ” . و كأن مفردة ( الطويل ) هنا دالة على أن هناك متسعاً من الأمل أطول من تمددات ذلك الأسى، و تستمر لغة الأمل في بقية أبيات القصيدة إلى ما قبل الأبيات الخمسة الأخيرة ؛ حيث تبدت فيما بعد لحظة الشعور باليأس كقيمة تعبر ليس عن الوصول إليه ؛ إنما ظهور حدود قدرة النفس البشرية ، و أنها تتأثر عند تتابع الوجع كمحافظة على ( وحدة موضوعية النص ) ، و تأكيداً لبنائه الفني ، و من ثم العمل على ترابطه ، حتى تتضح سيرورة النص إلى مُبتغىً ترنو له كل ذاتٍ متعبة في الحياة ؛ ذلك نشعره من خلال الشطرين:
أيا ليل هلّا أجبت انشطاري ..
إلى ..
و لكن قلبي تشظى انفطاراً.
و تعود لغة الوعي بأهمية التعايش مع أوجاع الحياة ، و استسهال صروف الأيام ، و إبداء عين الرضا و القبول فيما يُقدر على الإنسان في حياته ؛ بلغة ذات حكمة و صبر عاقل ؛ مع اعتزاز الذات بذاتها إذ تحوّل الألم في الإحساس و من بعد في القصيدة إلى غناء ، و الحزن إلى شقشقة ؛ ذلك الألم ، و ذلك الحزن اللذين ِلا يعدهُما القلب الحاكي هنا في متن النص سوى شيء من فرح ؛ هذا ما نجده في قصيدة ( لا تأس يا قلب ) حين تقول الشاعرة :
لا تأس يا قلب إن غنّى لكَ الألمُ
وشقشق الحزن و استشرى بكَ السقمُ
و تعود الذات لتعزز لغة التفاؤل التي بدأتها قبلا ًبملاطفة النفس، و الربت على أحاسيسها ، و تبريد آهاتها ، بيقين مشعور يطل بوجهه البهي من بين السطور ؛ و هو ما يتمثل في البيتين التاليين:
لا تأس يا قلب فالأيام غاديةٌ
تبعثر الدمع و الآهات تنصرمُ
و تدور المناجاة مع القلب، و تتأكد في كل مرة ، و بشكل دائري عرض الشكوى ، و ملاطفة الإحساس الذاتي بانصرام الوجع في بيتٍ ثانٍ:
لا تأس يا قلب فالأشجان أغنيةٌ
فغن ِ لمن في بؤسهم سئموا
ومن الجودة بمكان أن نشير هنا إلى لمحة فنية رائعة في الشطر الثاني
لم تقل الشاعرة ” فغن ِ لمن من بؤسهم سئموا ”
لكنها قالت ” فغن ِ لمن في بؤسهم سئموا ”
و في هذا إبداع فني أنْ ليس للإنسان أن يستسلم للسأم بمجرد تأثيره العابر به ؛ إنما لمن هو في بؤرة السأم و الحزن و الأسى، و هذه من أجمل إضاءات هذه القصيدة فثمة مفاوز بين حرفي (مِن) و(في) لحظة توظيفهما.
و في البيتين التاليين:
لا تأس يا قلب كم قاسيت من مِحَنٍ
فكنت طودا ًو ماجت دونك القممُ
نشعر بثبات الثقة بالنفس أمام ما يقابلها في هذه الحياة من موجعات ، و بتصوير متقن عمدت فيه الشاعرة إلى الإتيان بتقنية التصوير الدلالي التجسيدي المعبر عنه نقديا ًبـ( أنسنة الجمادات ) بعيدا ًعن المباشرة و اللغة المترهلة ، مع الاحتفاظ بقيمة الآخر و مكانته حين وصفها له بالقمم
و تقترب القصيدة من خاتمتها و هي لا زالت مُشبعة بالأمل:
لا تأس يا قلب و ارسم كل ضائقةٍ
شعراً على مسرح الأوجاع يبتسمُ
إن الشاعر الحقيقي هو من يشعر بالراحة بعد كتابة الشجن شعراً ؛ لأن الشعر ليس ما تكتبه ؛ بل ما تمحوه من أوجاعٍ لحظة الانكتاب.
في قصيدة ( ظمأ الشعراء )
نتأمل البيت:
كم و كم غرّد الفؤاد و دوما ً
تحمل الحُزن عائدا ًيا فؤادي
هذا التكرار الاستفهامي في كم و كم ، يتأكد فيه التغريد الذي هو تساهل الألم ، و اعتياده يؤكد قوة النفس، و عند وقوفنا أمام مفردة ” دوما ً ” أيضاً في نهاية الشطر، و يأتي الشطر الآخر جواب لما قبله:
ما لقلبي أشاعرٌ بات يرثي
أم تُرى يسجع الهموم كشادِ
و في قصيدة ( و ترجّل الحزن غربةً )
نجد تقنية توظيف التناص موظفة كأحسن ما يكون ، و هو ما يؤكد على منبع لغة الشاعرة المتمكّن منها ، و المستقاة من ( القرآن الكريم ) جاء ذلك في السطر الذي يقول:
اقتربتُ منها
فإذا هي ( حسرة ) تسعى
وُضعت مفردة حسرة عمداً بين قوسين تعبيرا ًعن حاجة النص إلى ذلك ؛ لأن المقام هنا مقام شعر، و سياق محدد، و لغة معيْنة على تصوير الجمال ، هذا ما يدل على وعي الشاعرة بفنيات الشعر من تناص و تضمين و اقتباس .. إلخ ؛ و لا شك أن الوعي هو إحدى معززات نجاحات تجارب الشاعر ، و بالتالي قراءته.
و إلى ألقٍ جديد للشاعرة نود الإشارة إليه ، يمنحها ضمناً حقاً مكتسباً بالإشادة بشاعريتها، و تميز عددٍ من الأبيات في بعض القصائد تنبئ بقدوم شعر واعد يستحق منا كل التقدير؛ لأن ما تكتبهُ أشعرنا بوجود إنسان يعيش حياة خالصة داخل النص:
فمن قصيدة ( وطنُ من حب )
نقتطف الابتكار الفني و الصورة المتورّدة بالجمال في مقطوعة:
ترسمهُ العصافير حروفا ً خالدة
و ألق ٌ يتبرّج للكون كل صباح
هنا موعد مع الحياة، و الأنس، و البهجة بأنغام ٍرائعة؛ عصفورية المؤدى كما يُشير الشطر الأول، و اعتزاز بهي، يبقى معه الحب للوطن كأجمل لحظات يحتسيها الإنسان، و قد جاء هنا تشبيه اللحظة الجميلة للزهو بحب الوطن مع كل نماء و ازدهار مثل لحظات الصباح الأولى في بهائها و روعتها عند تأمل:
” ألقٌ يتبرج للكون كل صباح ”
ومن الصور الفنية الجميلة الأخرى في قصائد الديوان نورد بعض الأمثلة:
في قصيدة ( غزة الفخر )
نعيش مع بيتين جميلين:
جودي من العز يا أرضاه و اسقيني
يا غزة الفخر يا أم القرابين ِ
و بيتٍ تالٍ:
سلوا الدموع التي من فوقها سُكبت
سلوا المنافي سلوا نزف الشرايين ِ
و في قصيدة ( لحن أخضر ):
…
هُنا يذرف الزيتون زيتا ً كأنه
دموع التلاقي بعد أن غاب واصلُ
و البيتين:
فكم اطعم المحروم و استنطق الثرى
و كان ربيعاً حين تهمي النوازلُ
تُخبئه الأيام لحناً تجودهُ
إذا أفصحت بعد الرخاء القواحلُ
و من روائع معزوفات هذا الديوان أيضاً ، تلك المعزوفة الأولى من قصيدة ( حنين البياض ) المعنون لها بـ ( شذرات قلب ) لما ضمته من إيقاعٍ آسر، و تمازج شعري لغوي كثيف يُدخل المتلقي في أجواء الذات الشاعرة ؛ تعززه لغة النداء الضمني الجلية بحرف ( مَنْ ) ، و بأسلوبٍ شعريٍ عذب استفهامي حزين ؛ تتماهى معه الذائقة و لا تريد للقصيدة من توقف:
من يمسح الحزن إن أسرجت دمعاتي
ومن يُلوّن بالأفراح أبياتي ؟!
ومن سيُرسل بوحي إن مضى جسدي
ومن سيُسقي زهوري في الغدِ الآتي
ومن ؟! و تنثال في الأعماق قافيتي
كأنها الريح و الأمواج آهاتي
في النص السابق إيقاعية مميزة دلت على تأكيد بداية نضوج التجربة الشعرية لامتلائها بالتساؤلات عند تكرار حرف ( مَنْ )، و بذلك بقاء النص في ذهنية المتلقي يتأمل تلك التساؤلات باحثاً عن إجابات يعيش معها في واحة القصيدة..
المحتوى أعلاه تم نشره عبر حسابات المجلة ادناه تفضلوا بالمتابعة :
تويتر :
سناب شات :
https://www.snapchat.com/add/shababeksglob19
قناة شبابيك :

