الكاتبة – شوق محمّد
في السنة الأولى ميّزتُ رائحة أمي و رُبما وقتها ظننتُ أن روح أمي ليست سِوا عِطراً وجسدها الزُجاجة ، في السنة الثانية وضعني أبي على كتفيه ورأيت من فوقهما العالم رُبما وقتها ظننت أن كتفي أبي ليست سِوا قِمة وأبي هو الجَبل ، في السنة الثالثة تعلّمت الجري والهروب كنتُ كلما سقطت سندتني أُختي وأعادت لي توازني رُبما وقتها ظننت أن أختي ليست سوا ضلعاً إنتُزع من صدر أمي لأتكيء عليه..
في السنة الرابعة والخامسة والسادسة كانت وسِادتي غيمة وسقفَ غرفتنا فضاءاً فسيح نغزلُ من عتمتهِ القناديل كل يوم كانت لا حدَ لها تنسابُ من جدران الغرفة مثل جداول الماء و لا تتوقف ، في السنة السابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة بدأ اللون الوردي في حياتي يخفِت كُنت أشعُر أن قلبي يُنتزع كُلما زمجرت في وجهي المُعلّمة ، في السنة الحادية والثانية والثالثة والرابعة عشر أردتُ أن أركض وأصرخ وأرقص وأغني ولكنني لم أستطع رُبما وقتها ظننتُ أن ولادتي كأنثى كانَت عقاباً قاسياً لا ينتهي ، في الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة عشَر كُنت ساخطة ثائرة أردتُ التمرّد على كُل شيء مِثل لبؤة تسعى للنيل من الأسَد لتغادر بالقطيع من الشِعاب و عينها على أعلى التَل.
في العشرين كُنت على مشارِف نوبةٍ من الإكتئاب في الواحد والعشرين حاولت أن أقتل نفسي في الثاني والثالث والرابع والعشرين ركضتُ جاهدةً مثلَ هاجَر أردتُ أن أجدني من جديد.. أبحرتُ في رحلة طويلة موحشة ، رحلةً مِني والوجهةُ لي ، حاولتُ فيها بشتى الطرق أن أتفكّر في المعنى مِن المعنى وأن أجِد جواباً صريحاً واضحاً لكُل شيء ..
في الخامسة والعشرين قررتُ يعد جُهدٍ أن أستريح وأن أستسلم وأن أستمتع فوجدت أني بدون قصد بدأتُ اُزهِر من جَديد رُبما وقتها ظننتُ أني غُصناً ذاوياً ذابلاً أمطرت من فوقِه السماءُ فإبتسم لها وأينع ..
في السادسة والعشرين بدوتُ هادئةً مُسالِمة وديعة ليّنة ًهيّنه .. رُبما أظنُ أن كل الذي عبرتُهُ ماكان إلا ليعبُرني ويعيدُ تشكيلي وتهيأتي.. وأظُن أيضًا أن المعنى في حياة المرء يكمُن في التفاصيل الجميلة والبشعة على حدٍ سواء.. إن الحياة تعجننا وتُعيد خِلقتنا بالطريقة التي تمُر فيها على أجسادنا.. بعضُنا تعبرهُ مثل عبور النسيم على ريشة و بعضنا تهدسهُ مثل شاحنةٍ تمُر فوق جسدٍ رضيع ..
في النهاية نحنُ لسنا أجسامنا ولسنا أسمائنا ولا ألقابنا.. نحنُ في ( الضحكة والدمعة والتنهيدة والرعشة وإرتدادة الطرف وزفرةُ الأنفاس.. نحنُ في النبضة والسكته وعضة الندم وقفزةُ الحماس.. نحنُ في الدُعاء والأماني والصلوات ) .. نحنُ في مكانٍ مآ بين كل الذي قطعناه والذي سوف نقطعهُ.. نراقب أنفسنا من الداخِل ( ونبتسم ) ..
المحتوى أعلاه تم نشره عبر حسابات المجلة ادناه تفضلوا بالمتابعة :
تويتر :
سناب شات :

