دلال كمال راضي / رئيس التحرير
تتصدر المرأة أهم الموضوعات التي تناولها الشعر العربي قديمه وحديثه، ففي الشعر الجاهلي كانت المرأة من أهم المحاور التي يدور حولها وإن لم تكن موضوعا أساسيا فقد كان التغزل بها ركن من أركان القصيدة، فغالبا ما كان النسيب الذي تفتتح به القصيدة بكاء على أطلال الأحبة مع العروج إلى ذكر اسم المحبوبة وذكريات الشاعر المرتبطة بالمكان وما يعانية من آلام الفراق وتباريح الشوق، كما أن المرأة من الأشياء التي نالت الحظ الأوفر في الوصف وقد شبهت بالعديد من الموجودات الحسية كالناقة والخيل والغزال والشمس والبدر وغيرها وجميعها موجودات تتصف بالأهمية والجمال، كما أن المرأة كانت أيقونة الغزل ومحوره لكونها المثل الأعلى للجمال عند العرب حينها، ورغم أن بعض الغزل كان غزلا حسيا صريحا ينبع من نظرة الشاعر للمرأة كجسد كما هو الحال في بعض قصائد امرئ القيس، إلا أن الغزل الوجداني العاطفي كان سائدا ويترافق مع الاحترام والتقدير فالشاعر يذكر عفة محبوبته ورفعة نسبها وعلو شأنها ويضعها من خلال شعره في المنزلة التي تليق بها.
ومع ظهور الإسلام لم يتخل الشعر عن الحديث عن المرأة ولكنه تخلى عن الحديث الحسي عنها وعن مفاتن جسدها إلا أن هذا الحديث الحسي عاد بعض الشيء في العصر الأموي، ومن ناحية أخرى اتسع الحديث عن المرأة أكثر مما قبل حتى أن بعض الشعراء لم يتطرقوا لموضوع آخر سوى المرأة وربما كان جل شعرهم في امرأة واحدة ومن أبرزهم شعراء العشق العذري كقيس ليلى وكثير عزة وجميل بثينة وغيرهم، ومع مجيء العصر العباسي واختلاط العرب مع الشعوب الأخرى وتلاقح الثقافة العربية الإسلامية مع ثقافات تلك الشعوب وتبعا للحالة الاجتماعية والاقتصادية وازدهار الأدب والثقافة، فقد امتزج الحديث الشعري عن المرأة ببعض الجوانب الفلسفية والفكرية، وبالتالي لم تعد المرأة من وجهة نظري موضوعا رئيسيا بقدر ما أبحر الشعراء وأجادوا في موضوعات أخرى.
وفي العصر الحديث نجد أن الحداثة التي سيطرت على صنعة الشعر وطورته لم تحدث أي تطور في نظرته للمرأة وطريقة تناوله لها فما زالتتلك النظرة الدونية تتوارث شعريا حتى عصرنا هذا فالمرأة هي الجسد أو المخلوق الجميل الجذاب، ورغم الإشارة أحيانا إلى كونها ملهمة إلا أن هذا الإلهام المشار إليه يقصد به الإيحاءات الجسدية والعاطفية فقط، أما الحديث عنها كمصدر إلهام فكري فيكاد ينعدم، ولعل السبب في ذلك لا يعزي فقط إلى السيطرة الذكورية على بناء المضمون الشعري بل أن عدم ظهور جيل فاعل من النساء من الناحية الفكرية وفي جوانب الحياة المختلفة هو سبب آخر لذلك الامتهان الشعري للمرأة، ومع ذلك نجد لفتات حداثية جميلة عند الإشارة إلى المرأة، منها تشبيه بعض الشعراء للمرأة بالوطن.
على كلٍّ تظل المرأة هي الملهمة الأقوى في الشعر العربي وبدلا عن انتظار التأثير الفكري النسوي الذي يضع فارقا في طريقة تناول الشعر للمرأة ، أرى أنه من المهم الدعوة إلى التركيزعند تناول المرأة شعريا على الجوانب العظيمة في تكوينها كالأمومة، وما تحوزه من العواطف الإنسانية، وكونها كذلك رمزا للخصب ومصدرا للحياة، فننصف المرأة في هذا الجانب، ولا نجعل الشعر يتناولها في أغلبه على أنها الحبيبة أو الفاتنة، بل على أنها كذلك الأم والأخت والزوجة.

