وكيف لا أكون كذلك وهذا الحجاز العظيم يمتد في دمي عشقًا ببحره ورمله ونخيله وتأريخه
تنحسر أيام حياتي عنه كانحسار الموج عن رمال سواحله لكنها تعود لترتطم به حبًا يحمي قلبي من الانزلاق في مستنقع القلق الذي سقط فيه كل من أهال التراب على ماضيه وغدى مبتور الانتماء ففقد روحه مندهشًا بالهالات الزائفة في زحام الشوارع الفارهة.
كل الصور القاتمة والعواطف الجافة لا تمت للحجاز بصلة، فكل من عشق الحجاز وترعرع فيه يعرف الحب والشعر والعطر.
ليس في الحجاز روابط هشة ولا علاقات باردة ولا ليال بدون سهر ولا نوم بدون أحلام.
الدرب لم يتغير والقلب لم يتغير والحجاز الذي يسكننا لم يتغير كذلك.
وها أنا بنت الحجاز كبرت وأنا أجوب الدنيا ولكن في داخلي صبية لم تكبر بعد ومازالت تعيش تفاصيل الحجاز في زمن جميل مر كالحلم وبقى عالق في الأذهان وظلت هي محبوسة في دفئه وجماله تأبى أن تغادرها حلاوة حلوى النعناع التي تدسها في فمها وهي ما زالت واقفة عند عتبة دكان جدها لم تفارقه بعد، ولا نكهة الشرق في توابل أطعمة جدتها وهي تتهادى من “المركب” متسللة إلى حاسة شمها فتترك اللعب بجانب “دكة” جدها وتهرع نحو الباب فتعبر “الدهليز” وتصعد الدرج بسرعة وكأن رائحة سحرية تقود خطاها،مثلها مثل رائحة “العود” المتهادية من تلك المبخرة النحاسية العتيقة القابعة أمام جدها في “المركاز” وقد تجمع حوله الرجال كنجوم تحتفي بالبدر والتي تدفعها وغيرها من الصغار إلى التلصص على هذه الجلسة الرجالية بالإنصات لقرقرة “الشيش” وكأنها موسيقى خيالية يعزفها الرجال في هذا المقام ،واستراق النظرات من وراء الباب إلى ملامح الرجال وقد وضعوا “بسطوناتهم” أمامهم وهم يجلسون على ذلك المجلس العربي المصنوع من الخشب”الزان” والمغطي بفرشات القطن”الطرف” والتي يأتي القطان لتجديدها كل عام، ومع كل لمحة تشعر كغيرها من الصغار برهبة من هذه الملامح وهي توحي بالحزم والعزم، فتنخفض النظرات نحو “دلة” القهوة و”سموار” الشاي وقبل عد الفناجين يقطع هذا التلصص صوت”فرقنا” فتهرع هي ومن معها من الصغار نحو الصوت لترى احتلاق النساء عليه وهو يخرج الأقمشة من “البقشة” التي يحملها فتشتري منه النساء فهذه تريد “محرمة” وتلك “مدورة” وأخرى “سديرية”..
بينما كانت جدتها تلحظ تحركاتها هي وغيرها من الصغار من خلف “الروشان” يمر “العم عبده” اليماني بعربيته وهو ينادي “اليغمش” “المنتو” “الفرموزة” فتهرع إليه تناوله قرشين كانت في جيبها حصلت عليها من جدها فيملأ لها كيسًا ورقيًا تهرع به إلى المنزل لتأكله مع أختيها زينب وأمل واللتان كانتا تفضلان الشراء من الحجة “التكرونية” وكانت تمر وهي تحمل طفلها على ظهرها وعلى رأسها “تبسي” ممتلئ ب”الحبحبو واللوز والفصفص واللبان أو طابعة وبخت البالونات” أما حلوي “توفي والنعناع وبسكويت ميري والميراندا” فقد كانت من دكان جدها.
طفلة صغيرة أحلامها محدودة بحدود المكان وغالبًا ما تتحقق فتغمرها سعادة بمذاق آخر ، إنه مذاق الزمن الجميل فها هو رمضان يلم شمل الأسرة وها هو جدها قد عاد من صلاة العصر فتمسك بيده وتذهب معه إلى المخبز في “النزلة الشرقية” وبينما يقف هو في الطابور كانت تتأمل تلك النار المشتعلة في الفرن وتلك العصا الطويلة في يد الخباز وترى كيف يخبز “التميس” و”العيش” و”الصامولي” وبعد أن يشتري جدها الخبز يعودان إلى المنزل يعبران الأزقة بين البيوت الصغيرة التي تزدحم بها مدينتها الحالمة وهي تتأمل رفوف الحمام وأعراش النعناع على السطوح وما أن يصلان إلى المنزل حتى يجدان “السقاء” وقد أحضر الماء في “تنكتين” يحملهما فيذكرها بعطشها الذي تناسته وهي بصحبة جدها فتهرع إلى “المشربية” لتشرب من ماء “الزير” الذي ملأته جدتها بالماء المخلوط “بالمستكا” و “ماء الورد” أما “السوبيا” الذي تعده جدتها فستشربه مع الكبار عند اجتماع الأسرة في تلك الليالي العامرة.
أحلامها قريبة التحقق فالعيد كفيل بأن ترتدي ذلك الثوب الطويل وأن تذهب إلى “المراجيح” وأن تتناول حلوى “الدبيازة” التي تعشقها.
ولكن بعد العيد بفترة وجيزة ستكون الأسرة منشغلة بخدمة الحجيج والذي سيقعدون عندهم لمدة أربعة أشهر والتي ستكون بالنسبة لها كليالي “ألف ليلة وليلة” حافلة بحكايات القوافل والبحر والحج.
آهٍ من هذه الطفلة داخلي كيف تغرقني بأكوام الذكريات فلا أدري من أين أبدأ الحكاية وأين أنتهي وكل ذلك الحلم يتصدع ويتهاوى أمام هذه الكتل الغريبة التي أجتاحته عنوة ، والتي لم تترك فينا سوى بقايا روح تتسكع في الماضي تتلمس زاوية أو حجراً أو ركنًا تجد نفسها فيه.
فبعد كل هذه السنين
والغياب ..
والفراق ..
والسفرْ
وزحمة الأشياء في حياتنا
وفي عقولنا ..
لا زال في صدري وترْ
وداخلي صبيةْ
تعزف لحن الشوق كالأنينْ
تعيدني لحيّنا
حيث مواسم الفرح ْ
وذكريات الطيبينْ.


رااائعة ..